يجد المصريون أنفسهم اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: العسكر أو الإسلاميين. تعيدهم القوات المسلحة شيئاً فشيئاً الى “الحكم المباركي” الذي أنزلهم بالملايين الى ميدان التحرير في وسط القاهرة قبل أكثر من سنتين لإسقاط الرئيس حسني مبارك، بعدما فشل “الأخوان المسلمون” في رعاية العملية الديموقراطية التي أوصلتهم الى حكم مصر.
اضطلع المجلس العسكري بدور مركزي في نهاية حكم مبارك ورعاية الإنتقال السلمي للسلطة بعد “ثورة 25 يناير” 2011. غير أن الجيش لم يتخل قط عن “حصته” في حكم مصر. أسلس القياد لـ”الأخوان المسلمين” والجماعات السلفية والإسلامية الأخرى. استغلوا العملية الديموقراطية للوصول الى السلطة. صار محمد مرسي الرئيس الأول المنتخب ديموقراطياً في تاريخ مصر. اعتبر أنه نال تفويضاً لـ”أخونة” أرض الكنانة. اهتم الإسلاميون بمنع الكحول وبوعود ايصال الناس الى الجنة عوض تأمين المياه النظيفة والعيش الكريم للمصريين. أوصلتهم شريعة مرسي الى أسوأ ما كان عليه حكم مبارك.
بدا حكم “الأخوان” هزيلاً وغير فاعل، فضلاً عن ميله الى الإستئثار بدل السعي الى المشاركة في الحكم. لم تقنع كثيرين تبريراتهم بأنهم ورثوا المشاكل الإقتصادية ولم يصنعوها. لم يتذكر الأخوان أنه “ما فيش هزار” مع العسكر.
بدعوته المواطنين النزول الى الساحات والشوارع لنيل تفويض شعبي لـ”ضرب الإرهاب”، يحاول القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح السيسي استعادة أمجاد “القائد الخالد” جمال عبد الناصر. هكذا يخسر المصريون شيئاً فشيئاً أهداف “ثورة 25 يناير” التي سعوا فيها أولاً الى انهاء سنوات وعقود من “دولة الأمن”، وتطلعوا خلالها الى أن ينالوا المزيد من الحريات السياسية واحترام حقوق الإنسان والقضاء على الفساد ونيل العدالة والكرامة. يكاد يضيع كل هذا في الهوة العميقة التي يحفرها القمع العسكري والتسلط الديني في قلب المجتمع المصري.
أدت الدراما القائمة بين النخبة العسكرية و”الأخوان المسلمين” الى تعقيد دور الجيش أكثر من أي وقت مضى كضامن رئيسي للدولة في مصر. لم تؤد سياسة كمّ الأفواه والسجن والنفي والإقصاء للإسلاميين والشيوعيين وغيرهم في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الا الى المزيد من الأسى، على رغم كل الوعود التي حملتها تلك “الحقبة الرومنطيقية” لمصر والعالم العربي. الآن، لا يبدو الحل في المتناول مع سجن مرسي وزعماء الأخوان وكل من يقف في وجه السيسي ليهتف: “يسقط، يسقط حكم العسكر”!
لا بد من أن يتراجع السيسي والعسكر للسماح بترتيب جديد للحلبة السياسية في مصر. يستطيع الرئيس المستشار عدلي منصور والنخبة المرموقة معه: نائب الرئيس محمد البرادعي ورئيس الوزراء حازم الببلاوي والوزراء من خامة نبيل فهمي وزياد بهاء الدين وغيرهم أن يصنعوا خياراً جديداً، عوض أن يبقى المصريون عالقين بين مطرقة العسكر وسندان الإسلاميين.
بغير ذلك، على مصر السلام.
مصر بين المطرقة والسندان
المصدر:
النهار