#adsense

من “الإسلام هو الحل” إلى “الديموقراطية ليست الحل”

حجم الخط

هل انقسمت مصر على شعار “الإسلام هو الحل” وأجمعت في المقابل، على أنّ “الديموقراطية ليست الحلّ”؟

سيأتي الجواب بالنفي من جميع الفرقاء في وقت واحد. الكل ما زال متمسّكاً بأهداب الفكرة الديموقراطية وينادي بها ويتهم الآخر بـ”الفاشية” تبعاً لها. لكن، بين أن تكون الديموقراطية، في الخطاب الإخواني، مفهومة على أنّها “قدسية لحظة الانتخاب”، وبين أن تكون في الخطاب الشعبوي المعادي للإخوان مفهومة على أنّها “قدسيّة الميادين”، وبين أن تكون في الذهنية العسكرية مفهومة على أنها “ديموقراطية تفويض” جماهيري للأحكام العرفية، فهذا يعني أن ثمّة إجماعاً مضمراً، غير مصرّح به، على أنّه، لئن كان الاستبداد مرفوضاً – وكلّ يرى بالفعل من الاستبداد طرفه، فإن “الديموقراطيّة ليست الحل”، هذا في اللحظة نفسها التي تُسحر فيه وعود هذه الديموقراطية، بتصورات “تقديسية” لصندوق، أو ميدان، ناهيك عن محنة “التفويض” البونابرتي.

لا يكون الخروج من هذه المعضلة باستسهال التفسيرات العنصرية والثقافوية، من نوع أنّ المصريين والعرب غير مؤهّلين، أو غير متمرّسين على الديموقراطية، حتى ولو كانت تركة الاستبداد الشرقي من ناحية، والصدمات المزمنة التي أحدثها الاستعمار وما بعده من ناحية ثانية، لا تزال تفعل فعلها بشكل واسع.

الخروج من هذه المعضلة يبدأ من نقد هذه الفكرة التي اسمها “ديموقراطية”، وإنزالها من عليائها، وفك سحرها.

فالديموقراطية لا يمكنها أن تكون نادياً مقفلاً للديموقراطيين المتممي الشروط فقط، كما يزعم الاستئصاليون الذين يضربون عرض الحائط بحقوق الإنسان الأساسية، في مناصرتهم لكل حملة قمعية على الإسلاميين. وهذا لم يبدأ اليوم: عمره عقود من تواطؤ “التقدميين” مع أجهزة الأمن ضد “الإسلاميين”.. والعكس أيضاً متوفّر.

الديموقراطية الحديثة لم تنهض بها تيارات سياسية نابذة للعنف الأهلي منذ نشأتها، بالعكس تماماً. في أوروبا وأميركا، كل الحزبيات التي نتحدث عن “عراقتها الانتخابية” اليوم متفرّعة عن حزبيات الحرب الأهلية الأوروبية أو الأميركية. في ألمانيا العشرينات والثلاثينات، لم يكن فقط النازيون والفاشيون مسلّحين، الاشتراكيون – الديموقراطيون أيضاً كانت لهم تشكيلاتهم شبه العسكرية. وعندما شعر الألمان بداية الثلاثينات بأن خيارهم محصور بين النازية وبين الستالينية، فإن من “فوّض” النازية لم يكونوا النازيين فقط، بل أكثرهم كان من التراثات السياسية “المتمرّسة” في الديموقراطية البرلمانية.

ومن ناحية ثانية، هل مقبول ألا نجد، عندما نناقش في أمر الحركة الإسلامية واندراجها في اللعبة الديموقراطية، غير النماذج الأوروبية، لنصبغ هذه الحركة رأساً على أنها “فاشية”، أو، في المقابل، لنبسّط مشكلتها مع الديموقراطية كما لو كانت صيغة أخرى للحزبية “الديموقراطية المسيحية”؟ لنبدّل وجهة المقارنة: في الهند، تجربة أساسية لحزب أصولي هندوسي، “بهارتيا جناتا”، فرض وصوله إلى الحكم تحدّيات على الديموقراطية غير قليلة، لكنه لم يقوّضها، وقد يكون في مناحٍ معيّنة وسّعها. ليس هناك حتمية ديموقراطية نابذة للإسلاميين، إلا إذا كان المرء يروّج لرُهاب الإسلام أو يتأثر انفعالياً به.

والآن، فيما ندخل في أجواء حرب أهلية عربية، بوتائر وشروط مختلفة بين البلدان، يبقى “نقد الديموقراطية” هو المدخل الأساس إلى حيث السباحة بعكس التيار الجارف، تيار “تغالظ المجتمعات”، إذا ما شئنا الاستعانة بمفهوم أساسي للمؤرخ الأميركي جورج موسه، فسّر به صعود النزعات العدوانية والعنفية في المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى. هذا ولو أن المفارقة الكبرى في هذا المجال، أن “تغالظ مجتمعاتنا”، لا يعقب حرباً كبرى، بل يأتي… من بعد “ربيع”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل