استحوذ القرار الاوروبي إدراج الجناح العسكري لحزب الله على لائحة الارهاب بالاهتمام الشعبي والرسمي، انطلاقا من المخاوف المرتبطة بالتداعيات المحتملة. ومع ان القراءات اختلفت بين طرف وآخر، وتراوحت بين الاستهزاء بالقرار على اساس انه لن يقدّم أو يؤخّر، وبين من رأى انه سيؤدي الى محاصرة لبنان، الا أن الثابت ان «الاقتصاد الشيعي»، مقبل على مرحلة أصعب.
قد لا يكون قرار الاتحاد الاوروبي إدراج الجناح العسكري لحزب الله على لائحة الارهاب مفاجئا في مضمونه، بقدر ما هو معبّر في توقيته. اذ يأتي هذا القرار بعد سنوات طويلة على إدراج الحزب على لائحة الارهاب الأميركية. وكان الاعتقاد السائد ان اوروبا غير مستعدة الى مجاراة الأميركيين في هذا الموضوع الحساس، خصوصا مع وجود قوات اليونيفيل في الجنوب. وقد اشار اكثر من “ناطق غير رسمي” للحزب في السابق، في معرض التذكير ولفت النظر، الى ان هذه القوات هي بمثابة رهائن في يد حزب الله في حال وقوع مواجهات.
كذلك يأتي القرار الاوروبي بعد قرار مجلس التعاون الخليجي الذي نصّ على طرد كل المتعاملين مع حزب الله المتواجدين في دول مجلس التعاون الخليجي. واغلاق المؤسسات التي يشتبه في تعاونها مع الحزب بهدف التمويل. هذا القرار الذي باشرت دول الخليج تطبيقه يشبه من حيث الشكل والمضمون، القرار الاوروبي بادراج الحزب على لائحة الارهاب. والقراران يستهدفان بشكل خاص، اغلاق حنفيات التمويل للحزب، وتضييق الخناق عليه ماليا.
هذه القرارات تنطلق من مبدأ مفاده ان الحصار الاقتصادي قد يكون اشد وقعا على حزب الله من أي اجراء آخر قد يتخذ في حقه. لكن النقطة الحساسة في هذا الملف، تكمن في الترابط النسبي بين اقتصاد حزب الله، والاقتصاد الشيعي بوجه عام. واستطرادا، فان شظايا الاجراءات التي تهدف الى محاصرة اقتصاد الحزب، تطاول حتما اقتصاد الطائفة الشيعية، وتلامس الاقتصاد اللبناني أيضا.
هذا الترابط يؤدي حاليا الى حالات ظالمة في بعض دول الخليج، حيث يتم التعامل مع كل مواطن شيعي على انه مشروع شبهة، ينبغي إدراجه على لوائح الترحيل المحتمل. هذا الامر بدأ يولد حقدا اضافيا، لكن الأهم انه قد يشكل عبئا اقتصاديا حقيقيا على الاقتصاد في المرحلة المقبلة. ومع ورود انباء عن إعداد لوائح طويلة بمواطنين لبنانيين، غالبيتهم من الشيعة، قد يجري ترحيلهم قريبا، تبدو الصورة سوداوية، خصوصا ان معظم هؤلاء سيعودون الى لبنان، وسيشكل وجودهم آداة ضغط اضافية على الاقتصاد الوطني المُرهَق.
في موازاة ذلك، يخشى ان تواجه الاعمال المُصنّفة شيعية، أي التي يمتلكها مواطنون شيعة، أو يمتلكون فيها القرار، الى مضايقات في اوروبا ودول الخليج، بعدما كانت المشكلة محصورة في الولايات المتحدة الأميركية.
يبقى ان التقديرات الدقيقة حول “الحصة الشيعية” في الاقتصاد الوطني غير مُتاحة، وهي مجرد تخمينات تستند الى مراقبة الواقع الاقتصادي بشكل عام. لكن المؤكد، ان القطاع المصرفي، الذي قد تنعكس اية اجراءات او قيود على اعماله، هو في غالبيته خارج الفلك الشيعي. وهناك نسبة صغيرة من المصارف التي يمتلك فيها شيعة القرار الأول. لكن ذلك لا يعني ان احتمالات الخرق غير متاحة من خلال الصف الثاني، على غرار ما جرى في مسألة البنك اللبناني الكندي. ومن هنا، فان الرقابة الاوروبية على العمل المصرفي ستزداد بدورها، من دون ان يؤثر ذلك عملياً على اداء القطاع.
الى التداعيات الاقتصادية المباشرة، يساهم الحصار الذي يتعرّض له حزب الله، في تظهير مشكلة الفصل بين الاقتصاديات الوطنية على اساس مذهبي. هذا الفصل، قد يؤدي الى خفض منسوب التعاون بين المؤسسات اللبنانية نفسها، انطلاقا من الخوف من ان تلحق بالمتعاونين مع مؤسسات محسوبة على الشيعة، لعنة الحصار. وبالتالي، هذا الأمر يؤدي الى عواقب اقتصادية ونفسية لا يُستهان بها. هذه المشكلة كانت قائمة في الاساس، لكنها تزداد عمقا وتعقيدا بعد القرارين الخليجي والاوروبي.
وفي هذا الصدد، حاولت الجمهورية الاسلامية الايرانية، خرق هذا الحصار المفروض على “الاقتصاد الشيعي” لكنها لم تنجح كثيرا، بسبب الضغوطات الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة. وقد حاولت طهران، في مناسبات عدة، وهي لا تزال تحاول حتى الان، فتح قنوات تواصل وتعاون مع الاقتصاد غير الشيعي في لبنان. لكنها تصطدم برفض غالبية الاطراف التجاوب خوفا من رد فعل الاميركيين. ويروي رجل اعمال مرموق، انه سافر الى طهران في عداد الوفد الرسمي عندما قام رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بالزيارة. لكن رجل الأعمال فوجىء بعد فترة، بأنه تعرّض الى تحقيقات في مطار واشنطن، استنادا الى هذه الزيارة، على رغم انها جاءت في اطار وفد رسمي. ويؤكد رجال اعمال لبنانيون غير شيعة، انهم يتلقون بشكل دائم دعوات رسمية لزيارة ايران، مع وعود بتعاون مثمر على المستوى الاقتصادي، لكنهم لا يتجرأون على تلبيتها.
مع اكتمال حلقة الحصارات، الاميركية والاوروبية والخليجية، اصبح التعاون مع “الاقتصاد الشيعي” في لبنان والمنطقة اكثر صعوبة. مع الاشارة الى ان الاقتصاد اللبناني، المترابط نسبيا، سيتأثر حتما بنتائج الحصار الذي يتعرّض له حزب الله اقتصاديا، كذلك فان “الاقتصاد الشيعي” سيتأثر اكثر من سواه بتداعيات الحصار. وكذلك حزب الله الذي سيواجه ضررا نفسيا ومعنويا ناتجا عن الصعوبات المالية التي ستواجهها البيئة الشيعية التي تحتضن الحزب. كما ان التبرعات للحزب، ستصبح أقل، ولو ان الحزب لا يزال قادرا على ابتداع طرق التمويل، التي يأتي قسم منها بشكل مباشر من ايران، ويأتي قسم آخر من الاعمال المموّهة بشكل مُتقن، وهو بذلك اقل المتضررين من الحصارات.