يعوّض الموقف الذي أعلنه النائب محمد رعد من تشكيل الحكومة عن الكثير من الشرح والتفسير، مثلما يختزل الموقف الذي يتخذه النائب ميشال عون من التمديد لقائد الجيش حاصل جمع كل تركيبته السياسية والشخصية.
النائب رعد قال ما يقوله الآخرون عن حزبه وعن اللبّ الأساس للسياسة التعطيلية حيال لبنان واللبنانيين منذ اليوم الأول وحتى يوم القيامة: إما أن تمشي الدنيا كما نشاء أو لا يمشي شيء! مسجّلاً في ذلك مأثرة في حسابه الخاص ومعزّزاً تمايزه عن أقرانه في كل الحلف الممانع, خصوصاً وأنه قال الأمور كما هي من دون رتوش, وأعلن أخيراً أبوّة فريقه لمبدأ التعطيل خلافاً لكل الأهازيج الموازية (المستمرة بالمناسبة) التي تتهم الفريق السيادي والاستقلالي باعتماد ذلك الأداء وشلّ الدولة ومؤسساتها ومرافقها وتخريب مصالح اللبنانيين وتعميق أزماتهم في كل النواحي!
… كان فصيحاً وصريحاً في قوله، إن لا حكومة في لبنان إذا لم تلبَّ مطالب حزبه! لكن أليست هذه هي الحقيقة التامة في كل ما شهده لبنان من أزمات سياسية وحكومية ودستورية في السنوات الأخيرة؟ وألم يأخذ “حزب الله” البلد بأهله كلّهم رهينة مواقفه وشروطه و”مقاومته” وارتباطاته؟ أليست تلك هي سياسة الفرض والإكراه والسلطة المثلى التي انتهجها وينتهجها في كلّ شاردة وواردة! ألا يعني ذلك الاعتراف براءة 14 آذار من كلّ الافتراء الذي طاولها ولاحقها من دون كلل ولا مللٍ ولا حياء ولا خفر؟
… أليس ذلك هو اللبّ الأول لكل الأزمة الطاحنة التي يعيشها لبنان منذ العام 2005 والقائمة على أساس تلك المعادلة القائلة إن فريقاً واحداً يريد إلغاء كل الآخرين وفرض إرادته عليهم, وأن إرادة “الممانعة” هي التي يجب أن تمشي وتسود وإلا دُمّر لبنان بالتقسيط غير المريح؟! وألا يعني ذلك، أن حزب النائب رعد لا “يرى” الآخرين ولا يجد ضرورة لأخذ أي هاجس لهم أو حاجة أو سؤال أو قلق أو حقّ مشروع يخصّهم؟ وأليس ذلك هو التعبير الأوضح عن طبيعة فهمه للصيغة اللبنانية؟ ألا يعبّر بنفسه عن مدى غربته عن “معنى” لبنان تفصيلاً وعن معطى التسوية وقبول الآخر جملة؟ ألا يدلّ بالصوت والصورة على “المكان” الفكري والتوجيهي الذي يأتي منه وعلى الجذر الأول لمنطلقاته النافية لكل حسّ ليبرالي ديموقراطي في مجتمع شديد التنوّع وأهله “يعيشون” عند خطوط التماس على الدوام؟! ألا يشكل ذلك الاعتراف تتويجاً واختصاراً لكل المرافعات السابقة لإطلاق الحكم في شأن من يتحمّل مسؤولية الكوارث التي عاشها ويعيشها اللبنانيون؟!
يجيب قول النائب رعد عن كل الأسئلة ويزيد. مثلما يُجيب موقف النائب عون من قائد الجيش عن السؤال الراهن: من يريد مصلحة المؤسسة العسكرية ومن يريد مصلحته الخاصة؟ ومن يدافع عن تلك المؤسسة ومن الذي يأخذها مطيّة لسياساته وأهدافه وتخريصاته وجموحه؟ ومَن، في الحقيقة الأخيرة يريد مصلحة لبنان قبل مصالح غيره ومن الذي يريد العكس؟
“معجزتان دفعة واحدة. الأولى اعتراف النائب رعد بأبوّة التعطيل وكوارثه. والثانية اعتراف النائب عون بأبوّة الفراغ المدمّر، وشعار “مصلحتي أولاً” في مقابل “لبنان أولاً؟… مَن قال إن عصر المعجزات ولّى واندثر؟!