أثقل “حزب الله” على نفسه المهام التي يبتدعها يوماً بعد يوم لمقاومته، فهو في كل يوم يخترع له عدواً جديداً، ويدعو عناصره لمهاجمته لتحقيق انتصارات خيالية، لا تليق بمن ادعى شرف مقاومة إسرائيل بداية، ليتبيّن في وقت لاحق أنه مجرد أداة ميليشيوية لدولة ولاية الفقيه في المنطقة وأن الشباب اللبناني الذي انخرط في صفوف مقاومته لإخراج “العدو الصهيوني” ودحره، لم يعد يقوم بعملية ضد “المحتل الغاشم” في شبعا مثلاً، عبر مهاجمة جنود إسرائيليين بالرصاص أو تفجير عبوة صغيرة بدورية، بل أصبح صاحب قرار بشن حرب مدمرة إكراماً للولي الفقيه، كما حصل في العام 2006، أو مهاجمة أهل العاصمة والجبل من أجل إعطائهم درساً لا ينسى كونهم كانوا في صفوف الثورة التي أخرجت نظام الوصاية من لبنان وحررت البلد من حكم المخابرات، ولا بأس إن تغيرت “بذلات” هؤلاء المنتمين الى صفوف الحزب الإلهي ومقاومته، فهم إن كانوا في البذلات “المرقطة” أو “السوداء” واحد، إذ لم يعد بالإمكان التمييز بين “المقاوم” و”الميليشيوي”، والذي بدل أن يكون شعاره الحفاظ على حرية الوطن واستقلاله وأمنه، تحوّل الى عنصر أمني مخابراتي، يعمل من أجل حفظ ماء الوجه لنظام “البعث” في سوريا ومن أجل تقوية النفوذ الإيراني داخل البلد وفي البلدان المحيطة وفي دول العالم وكل ذلك تحت عنوان “المقاومة” التي عمل الرئيس الشهيد رفيق الحريري في نيسان 1996 لتشريعها بقرار دولي، فكانت المكافأة اغتياله من أجل منع قيامة لبنان المحرر والمستقل.
لقد ارتكب “حزب الله” أخطاء كثيرة في الداخل وزرع مجموعاته في دول أوروبية وعربية، في مصر واليمن والبحرين وغيرها من أجل تحريك النزاعات والتدخل في سياساتها الداخلية، ولم يسلم الشعب السوري الذي وقف الى جانب مقاومة “حزب الله” من سلاح القتل الذي وجهه لصدور النساء والأطفال في المدن والقرى السورية المنتفضة على حكم “الجزار”، سقط “حزب الله” من أعين الكثيرين، إثر هذه الممارسات التي جرّت الويلات على لبنان، وهو ما زال يصعّد مواقفه ويبتزّ شركاءه في الوطن، ويهددهم بشكل مباشر حيناً وغير مباشر في أحيان كثيرة، ونتيجة هذه السياسة الإلهية بدت أخيراً في موقف الاتحاد الأوروبي الذي اتخذ قراراً بوضع الجناح العسكري لـ”حزب الله” على لائحة الإرهاب، رغم محاولاته الكثيرة لتحذير الحزب من ممارساته التي قد تؤدي الى مثل هذه الخيارات. وبدل أن يسارع الحزب الى تحسين علاقاته بأوروبا التي أبقت الباب مفتوحاً عبر إعلان استمرار الاتصالات مع ما أسمته الجناح السياسي في الحزب، ها هو يصعّد من جديد على لسان عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” نواف الموسوي الذي وجد وظيفة جديدة لمقاومة حزبه وهي “مقاومة الاستعمار الأوروبي الجديد”! نعم فوفق قوله “ما بعد القرار ليس كما قبل القرار”. ومن أجل ذلك، دعا “الشعوب المستضعفة الى اعتماد المقاومة والوقوف بصلابة في مواجهة سياسات الاستعمار الأوروبي الجديد”.
وإن كان الموسوي وجد مهمة لمقاومته فإن رئيس الهيئة الشرعية في الحزب الشيخ محمد يزبك هدد بأن لا حكومة من دون حزب الله فمن يحدد من يكون أو لا يكون هو المقاومة وشعب المقاومة وبيئة المقاومة”، وبذلك تكون الصورة واضحة في أن وظيفة مقاومة “حزب الله” ليست تحرير لبنان فقط من إسرائيل وإنما تحريره من بقية اللبنانيين الذين عمل لتخوينهم واغتيالهم وتهديدهم وحياكة الانقلابات والمؤامرات ضدهم من أجل استيلائه على السلطة وتوسيع دويلته وفرض نظام ولاية الفقيه.
يقرأ المحلل السياسي سامي نادر في موقف الموسوي الرد على قرار المجموعة الأوروبية الذي أدرج الجناح العسكري لـ”حزب الله” على لائحة الإرهاب، علماً أن القرار ميّز بين الجناح العسكري والسياسي، وهم ردّوا عليه بلهجة تصعيدية، فصيغة قرار الاتحاد جاءت مرنة، وحاول كسر الأمور وجبرها في الوقت نفسه، بشكل يسمح بإمكانية التفاوض، عبر القول بأن لا مشكلة مع الجناح السياسي للحزب، بل مع الجزء العسكري، وهذا ما يشير الى أن الاتحاد يضع سقفاً للتفاوض، ثم أن الرئيس الفرنسي دعا الى حكومة يشارك فيها كل الأطراف ويدعو الى محاورة “حزب الله”، لكن استخدام “حزب الله” جناحه العسكري وتدخله في سوريا أمر غير مقبول”. ويجد في مواقف “حزب الله” من القرار الأوروبي “تصعيداً يقطع الطريق على أي تفاوض أو أنه يسعى الى رفع سعره في المفاوضات”.
ويؤكد أن “مثل هذه المواقف تسيء الى لبنان وإلى “حزب الله” الذي يظهر في حالة طلاق كلي مع المجموعة الدولية والعربية بعد تدخله في سوريا”.
ويشير الى أن “أوروبا تمايزت في مواقفها عن الولايات المتحدة الأميركية، في موضوع الصراع مع إسرائيل وهي دعمت مقاومة لبنان”، معتبراً أن “مواقف حزب الله التصعيدية لا تخدم في هذا الإطار، وإن كان يدعو الشعوب اليوم الى مقاومة الاستعمار الأوروبي، فالسؤال مَنْ مِنْ الشعوب العربية اليوم مع “حزب الله”؟ على الحزب أن يسأل نفسه هذا السؤال قبل أن يدعو للمقاومة، ثم إن الشعوب التي يناديها هي ضد مواقفه نتيجة تدخله في الحرب السورية ما يعني أنه ينادي اللاأحد”. ويشير الى أن “ورقة الضغط الوحيدة التي يمكن أن تؤثر في مواقف الاتحاد الأوروبي والتي قد يستخدمها “حزب الله” ضد الاتحاد الأوروبي هي قوات “اليونيفيل” في الجنوب، وهنا السؤال عن مصيرها، لكن هذه القوات تحمي لبنان وتحمي “حزب الله” بالتحديد لأن لها غطاء شرعياً دولياً، فهل يجرؤ الحزب على أذيتها، “اليونيفيل” تشكّل غطاء سياسيا وحماية للبنان، اللهم إلا إذا أراد طرف خرق القرار 1701″. وعن إمكانية توسيع “حزب الله” نشاطه الأمني، يلفت نادر الى إنكار “حزب الله” علاقته بتفجير “بورغاس”، ولكنه يرى “كل شيء معقولاً”.