ولمزيد من الأمن والأمان والشرعية والدستورية والفاعلية القانونية، أخذ التكتل قرارا “بإنشاء جبهة وطنية للدفاع عن الدستور وستتألف من أناس يتمتعون بصفة تمثيلية وقانونيين لمنع تفكك الدولة”. والقرار، لم يصدر، كما أكّد الجنرال بعدما حسم التمديد لقائد الجيش، إنما الفكرة كانت قائمة منذ فترة. وتبعا لهذه المعلومات، لا بدّ من أن الجنرال تريّث في الكشف عن اللجنة ودورها، لجسّ نبض الحلفاء بعد كل وعد يطلقونه.. ولكنه ما إن اكتشف أن وعود الحلفاء “حكي بحكي”، خصوصا بعدما تأكد له أن التمديد لقائد الجيش يسلك الخط العسكري وبعدما أصبح التداول يطال التمديد الأهم في السنة المقبلة، ليسلب الصهر مركز قيادة الجيش والجنرال الرئاسة، كان لا بدّ من أن يشكل “التيار” تلك اللجنة، بغض النظر عن فعاليتها أو طريقة تفسيرها للقوانين والدستور.
المهمّ أن اللجنة، كما اتّضح في الصورة الأولية لوصفها، مهمّتها محصورة بما يشبه مهمّة المجلس الدستوري وهو أعلى سلطة تنظر في دستورية القوانين والبت في الطعون، وإن كان المجلس الدستوري واقعا تحت تأثير الحلفاء، فإن اللجنة العونية المستحدثة ستكون ممسوكة من “التيار”، مع فارق “جدّ بسيط” هو أنه لن يكون للجنة أي دور رسمي عند المفاصل القانونية.. ولكن أقله، يمكن لهذه اللجنة أن تستقبل الطعون بالجملة، لن يكون من السهل تعطيلها إلا إذا جاء التعطيل من الداخل، ولن يدور نقاش حادّ فيها حول تفسير الدستور والقوانين خصوصا عند اعتبار عون أن “التمديد لقائد الجيش غير شرعي، وهذا ليس طعنا”، وتكون النتيجة على شاكلة ما قاله عون “فليجتمعوا معي لإختيار الأفضل للمراكز لمزيد من التنافس”.
وبانتظار أن تبصر هذه اللجنة النور لتنير اللبنانيين وتفسّر لهم المواد الدستورية، عاد الجنرال الى العام 2006، الى تاريخ توقيع وثيقة التفاهم بينه وبين “حزب الله”. فيقول “دعينا الجميع حينها للإطلاع على الإتفاق لأننا نريد أن يعمّ التفاهم كل اللبنانيين، فاكتشفنا أن ما قمنا به جريمة وأنهم تحت تأثير غربي”. صحيح أن كثر من المواطنين اللبنانيين لم يطّلعوا على بنود اتفاق التفاهم في العام 2006، لكنّهم وبكل تأكيد يتابعون نتائجه وتبعاته على “التفاهم” وعلى لبنان.. فلو كانت التفاهمات على صورة التفاهم بين “التيار” والحزب، لكانت عمّت لبنان فوضى تشكيل لجان! فبطريقة معاكسة، لو أن التفاهم طاغ على كل الملفات، وتحديدا الداخلية منها لكان “التيار” نال ما يصبو إليه، ولما كثرت الطعون والاعتراضات.. أما التفاهم الفعلي فيكون غير مرهون بشروط وإملاءات ويكون عفويا وتلقائيا ومبنيا على أسس وطنية.. ولكن السؤال الذي يطرح هنا: كيف لمن يريد تشكيل لجنة تبحث في الأمور الدستورية ان يقوّم اتفاق التفاهم على أنه المرجع الذي يعمّم ثقافة التفاهم؟!
وعلى إثر ذلك، كان لا بدّ للجنرال من تقويم السياسيين فقال “السلطات العليا لا تؤتمن لا على الدستور ولا على القوانين، هناك 3 أو 4 رؤساء “بياكلوا” مجلس النواب والدستور ومجلس الوزراء، خايفين من الفراغ وهذه حجة”. لا نقاش في هذه النقاط، فالفراغ قد يكون الحلّ الوحيد ليتمكن البعض من استغلال المراكز “الشاغرة”، والتجربة اللبنانية في العام 1988 أكبر برهان على ذلك.. فالفراغ يسبب السقوط، وبحسب المثل اللبناني “بس توقع البقرة بيكترو سلاخينها”، وماذا يخبّئ السقوط سوى الحروب الأهلية، كحرب التحرير وحرب الإلغاء؟! فلو عولج الفراغ دستوريا وقانونيا في ذاك الوقت هل كان لبنان ليبلغ هذه المرحلة؟
ويقول الجنرال ان “السياسي بات مثل المغيطة بياخذ قياسين، وكأنه لابس عياري”، ويشبّه التمديد بكل أشكاله وأنواعه بأنه “تلاعب بالدستور، والتلاعب هو انقلاب أبيض للتحكم بالسلطات الدستورية، فنصبح مثل الشختورة بالعاصفة”. ربّما كانت هذه الرسائل موجّهة الى الحلفاء قبل الخصوم، ولكن المواطن اللبناني يستغرب عدم تقدير الجنرال للظروف، لكل ظرف حكمه، أليس هذا ما كان سائدا أثناء تولّي الجنرال رئاسة الحكومة الانتقالية؟ والظرف اليوم يحكم بالتمديد، الذي لا يناقض الدستور، دون ان يقود الى الاستسلام أو الى الحرب والتاريخ في لبنان حافل بتجارب من هذا النوع.
ولا يخفي الجنرال أحلامه عن اللبنانيين “حلمت إنو صرنا مستقلين وعيت ما لقيت في حدن بدو يحكم البلد”.. صحيح! فلبنان محكوم بالسلاح غير الشرعي، و”حزب الله” يحكم على لبنان بحرب ينقلها إليه من الداخل السوري، فلو رفع الطرف المسيحي غطاءه عن الأجنحة العسكرية، المدانة عربيا ودوليا، لكانت تشكلت الحكومة وأجريت الانتخابات النيابية وتمّ تعيين القادة العسكريين ولكان “التيار” استغنى عن تشكيل اللجنة!
ما يهمّ المواطن اللبناني من كل هذه المواقف، أن اللجنة التي من المفترض أن تتشكل قريبا لن تبحث في قضية تمسّ حياتهم اليومية، فالكهرباء ستبقى على عادتها في التقنين الصيفي، والمياه ستزيد شحّا وتطوف بها الطرقات في الشتاء.. ولن تناقش اللجنة أعطال فاطمة غول، ولا تقطّع الاتصالات، ولا القضايا الثقافية والمهرجانات التي تحيي لبنان، ولا السياحة.. فلا بأس بأن تكون اللجنة “فشّة خلق”!