وفي أي حال، لن تعود أمور اللاجئين إلى ما كانت عليه. ففي مرحلة لاحقة، قد تنتظم العلاقات بين “مناطق” سوريّة و”مناطق” لبنانية، وفقاً لإتفاقات بين الكيانات أو مناطق الحكم الذاتي التي بات مرجحاً نشوؤها في العديد من بلدان الشرق الأوسط.
أمّا القرار الذي إتخذته الدولة بأجهزتها ومؤسساتها لضبط الديموغرافيا السورية في لبنان فلا يمكنها أن تتباهى به، فيما هي عاجزة عن إلتقاط “ميني تمساح” في نهر بيروت. إنها تنفّذ قراراً إتخذه أولاً “حزب الله”.
ففي الأشهر الأخيرة، جرت مناوشات بين “الحزب” والسوريين المقيمين في الضاحية والبقاع والجنوب. وقبل إنفجار بئر العبد وإطلاق الصاروخين على محيط مار مخايل وبعدهما، إرتفع منسوب التوتر، خصوصاً بعد الكشف عن العبوة الزجاجية المصنوعة بدائياً في الضاحية، والتي أرفقت بتهديد للسيّد حسن نصرالله يحمل إسم جهات مرتبطة بتنظيم “القاعدة”.
في تلك الفترة، غادر سوريّون أحياء الضاحية، واعتكف آخرون في منازلهم خوفاً من مضايقات، وأغلقوا مؤسسات تجارية لهم في المنطقة. وبعد ذلك، تراجع الحضور السوري في المناطق الشيعية وغير الشيعية الواقعة تحت نفوذ “الحزب” جنوباً وبقاعاً. وتحدث البعض عن قرار لـ”حزب الله” بوقف إنتشار السوريين في مناطقه، وضبط اللعبة تماماً. وفي تقديره أنّ هؤلاء سيكونون مدعاة قلق أمني وديموغرافي، لأن لا عودة لهم إلى بلدهم في المدى المنظور.
وإذا كان “حزب الله” يقيم الحسابات لأي ظاهرة قد تُهدده في “أمنه الذاتي”، فهو بالتأكيد يتحسّس الوزن الذي يسبّبه ملف اللاجئين على هذا الأمن، تصاعدياً.
وعندما صرخ الوزير جبران باسيل مطالباً بوضع حدّ لتدفق اللاجئين، إنطلاقاً من ذكريات المسيحيين مع ظاهرة اللجوء الفلسطيني، جرى إتهامه بالعنصرية. فـ”الطبخة” لم تكن قد نضجت لدى “حزب الله” آنذاك. ولكن عندما آن أوانها، سارع “الحزب” إلى تنفيذ قراره تحت غطاء رسمي، كما فعل ويفعل في العديد من المسائل الحساسة. وهكذا تبنّت الدولة كلها خيار “حزب الله” في ملف اللاجئين، وفي توقيته حصراً. ولذلك، تحدّثت تقارير عن ظاهرة جديدة. فعدد السوريين الذين غادروا لبنان الشهر الفائت إزداد بضعة آلاف عن رقم الوافدين. ويحتشد آلاف السوريين عند نقاط الأمن العام، ينتظرون التدقيق بأوراقهم للدخول كلاجئين. أما العمال فإتصلوا بالمؤسسات التي يعملون فيها طالبين وثائق تحمل موافقة المؤسسات الرسمية، ويستغرق تجهيزها أياماً… إذا كانت تستوفي الشروط.
فالعدد الواقعي للسوريين، أي 1.5 مليون نسمة يضاف إليه نحو نصف مليون فلسطيني، يفوق كثيراً قدرة لبنان الإقتصادية والأمنية والديموغرافية. وإذا حُصِر معظم هؤلاء خارج المناطق الشيعية، فسيقيمون في البقعة السنية – المسيحية – الدرزية… ضمن حدود المناصفة العددية، وفي بقعة محصورة من الـ10452 كلم2! لذلك، كان الأحرى تنظيم العمالة السورية منذ البداية وضبط تدفّق اللاجئين، ولكن قبل بلوغ هذا الوضع الكارثي، ومن دون التسبّب بأي ترسبات مذهبية أو طائفية، أو متاجرة من هنا أو هناك.
فهؤلاء المواطنون السوريون، أي اللاجئون الحقيقيون إلى لبنان، يدفعون ثمن ذنب لم يرتكبوه.
وبعيداً عن الإعتبارات اللبنانية، وفيما مئات الآلاف من السوريين يُسحَقون تحت آلة الموت، أو يهربون إلى الجوع والبرد في لبنان أو إلى القلق في الأردن أو إلى الإضطهاد والإغتصاب في تركيا، تبدو الصورة مخزية فعلاً: غالبية قادة “الثورة” يناضلون منذ عامين ونصف العام في فنادق الخمس نجوم في أوروبا والولايات المتحدة وإسطنبول! ولا يجدون لهم مكاناً آمناً في سوريا “المحرّرة” أو “غير المحرّرة” يمارسون منها إطلالاتهم البرّاقة عبر الفضائيات، كأي “ستار أكاديميّ” آخر!
إنها إستعادة موجعة لمُشاهد دفَنَ الثورة الفلسطينية، قبل نصف قرن، حيث البنادق صارت في الفنادق لا في الخنادق، ومِثلَها صارت… برسم الإيجار!