#adsense

.. في حروبنا!

حجم الخط

 

كانت الحرب ولا تزال سجالاً بالنار يُترجم قصور السياسة والعلاقات الاجتماعية والتجارية والثقافية عن تقديم حلول تُبقي حبال الحياة ممدودة في وجه مراكب القتل وطغيان العدم.

وتلك الحروب السجال، فيها صعود وهبوط، وكبوات وهفوات، وانتصارات وانهزامات (لذلك هي سجال) لكنها في العموم تؤاخي العبث وتعطّل العدالة لأنّ كل طرف فيها يعتقد أنّه على حق.. بغضّ النظر عن ميزان القوى والأسباب والتبريرات والمنطلقات. بحيث يصبح المُعتدي في مصاف المُعتدَى عليه. والهاجم مثل المدافع، والمرتكب مثل الضحية، والجاني مثل المجني عليه.. هي على النقيض من العدالة، لكنها مثلها عمياء لا تعرف غشاوة البصر ولا احتمالات الزوغان في الرؤية، ولا تلحظ بالتالي أي فروق في أساسياتها ومبادئها، بل يسري مفعولها البتّار على جميع أبطالها وضحاياها، وتأخذ الأمور بمجملها باعتبارها ذلك البديل الناري عن ضمور صلة الوصل بين الناس وانقطاع سبل اللغة وحيلها، وانكشاف الحوار عن عجز مكين.

.. حروب العرب والمسلمين بهذا المعنى هي الأشد تعبيراً عن “صفاء” الفكرة. هي دائماً تندلع بين متساوين في امتلاك “الحق”. وبين متشابهين في الارتكاز على سيبة أرضية موصولة بالسماء: الأرض ميدان الترجمة لكن النصّ آت من “فوق”! والسلاح حديث لكن الزخم الموجِّه له يعود في الزمن إلى أعماق التاريخ. والبيان راهن وآني ومسوغاته ملائمة للعصر ومصطلحاته، لكن حبره قديم قِدَمْ الرؤى والأفكار والآراء والاجتهادات والقراءات والفقه ومدارس البيان وكتب التفسير وسيَر الافتراقات الأولى والاختلافات الأولى، والتأويلات في طفولاتها وبدايات دبيبها وزحفها!

هي في ذلك، حروب قديمة في عوالم حديثة. “مواضيعها” خارج العصر. وأسبابها غريبة عنه وعن آلياته.. هي الحروب الوحيدة في هذا الزمن التي لا تزال تركن إلى النصّ المختلف لتبريرها وإشعالها وتسعيرها.. لا تستند في معظمها إلى حيثيات المصالح الوطنية والقومية والاقتصادية والمالية بقدر استنادها إلى حيثيات “الانتماء” المختلف و”التفسير” المختلف و”الرواية” المختلفة.. والشطط في التأويل!

ولقائل أن يقول، إنّ حروب العائلات المالكة في أوروبا في القرون السابقة على الثورة الصناعية، التي دمّرت القارة ولوّنت كل متر فيها بالدم، إنّما كانت في أوّلها وآخرها حروب أفكار ورؤى وطرق عيش وثارات ونزعات قومية تافهة، قبل أن تكون حروب بحث عن أسواق تجارية جديدة ومصادر طاقة ومواد أولية. وذلك قول فيه الكثير من الصحّة والصواب، لكنّه لا يكفي لإسقاطه على “حروب إسلامية” لا ذرّة منطق فيها لا في السياسة ولا في المال ولا في الاقتصاد ولا في الأخلاق، ولا تتناسب مع أي مُعطى في عالم اليوم أو بالأحرى في “عولمة” اليوم!

.. التفسير قد يكون موجوداً لكن فيه أيضاً تكتمل سيرة حضور الإدانة وغياب البراءة: “كانت” أوروبا قبل 400 أو 500 سنة شبيهة بعالمنا الراهن! أي أنّنا ربما نحتاج إلى ذلك الفارق تحديداً، كي نعود إلى الحاضر وننسى الماضي! وأي فجوة هذه؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل