نادرا ما جرى تفعيل المجلس الاعلى للدفاع بكثافة استثنائية وبوتيرة مماثلة لتلك الجارية في عهد الرئيس ميشال سليمان. كان الانطباع السائد ان هذا المجلس ذا التسمية المثيرة للتهيب لا يدعى الى الانعقاد الا في حالات الحرب او اعلان حالة الطوارئ او التحسب لأمر حربي جلل. ولكن وعلى قاعدة الضرورات التي تبيح المحظورات لم يعد انعقاده يثير اي دهشة او خشية لان جلساته تكاد تصبح دورية لفرط ما استدعت الظروف الامنية منذ الجولات الدامية في طرابلس الى اليوم مع كل المحطات الاخرى “الشقيقة” ابقاء هذه المؤسسة جاهزة بعيدا عن تقييدات التعطيل الدستوري والسياسي.
يتخذ الامر في الاونة الاخيرة بعدا آخر لا ندري اذا كان صنيعة الازمة السياسية او من موجبات طرح القضايا الامنية الخطيرة وحدها باعتبار ان مداولات المجلس حتى مع استحالة عدم تسريب الكثير منها في هذا العصر توجب السرية. هو البعد المتصل ببقاء هذا الاطار العسكري – الوزاري المشترك اداة وحيدة بيد رئيس الجمهورية القائد الاعلى للقوات المسلحة للنفاذ قدر الممكن المتاح ضمن القدرات الضيقة الى التحكم والتأثير في الانتظام الامني وسواه من القضايا المتصلة بها بما فيها اساسا الازمات السياسية. ولعل ما يشي بهذا البعد هو ان يبدو المجلس الاعلى المؤسسة الوحيدة التي يمكن رئيس الجمهورية دعوتها الى الانعقاد تحت وطأة الظروف القاهرة، فيما بات يستحيل في لبنان جمع مجلس النواب وكذلك مجلس الوزراء وفيما يغدو تشكيل حكومة جديدة تزيل هذا الاسر الدستوري من الاستحالات ايضا.
لحسن الحظ ان اجتماعات المجلس الاعلى اثبتت انها معنية دوما بالقضايا الامنية والدفاعية الصرفة كما يمليها نظام المجلس. لم يعرف لبنان جنوحا نحو العسكرة في اي معيار، ومنها مثلا النزعة الى تقييد الحريات بداعي التفلت الامني واستشرائه في عز اتساع هذا التفلت. ومع ذلك لا يمكن التسليم بانها ظاهرة طبيعية معزولة عن الازمة السياسية ان تفرغ المؤسسات من انتظام او من تفعيل الا لدى هذا المجلس ذي الطبيعة العسكرية كانه البدل عن ضائع من سلطة تنفيذية هائمة بين حكومة مستقيلة واخرى استعصت ولادتها،كما يكاد ان يكون بديلا من حوار استعصى على الرئاسة احياء رميمه على رغم جهود مضنية.
ولعلها مفارقة قد يصح طرحها في عيد الجيش هذه السنة حول من تراه اكثر تأثراً بالاخر العسكر ام السياسة؟ هل تراها الازمات تكبر دور العسكر وتسلس القياد له ام انه يجري الاثقال على العسكر بعجز السياسيين وألاعيبهم الماجنة في مرحلة ملء الفراغ والوقت الضائع الى حدود لا يحتسب كثر نتائجها؟ كل هذا يختصره حتما التمديد المفاجئ بمدته الطويلة للقيادة العسكرية تحسبا لغدرات السياسة والامن وما بينهما من حبل الازمات الطويل.