قد يكون في الإعادة إفادة هذه المرة، لتذكير من خانتهم الذاكرة، لماذا أقيل سعد الحريري وبمن استُبدِل ولماذا؟ أقيل بعد إنقلاب “حزب الله” الأسود، بسبب ما سُمي “ملف شهود الزور” الذي أكلته غبار الكذب، واستُبدِل بمن تمّ استيلاده في كنف “الحارة” في محاولة ثلاثية الأبعاد وربما أكثر، كان أولها القول إن الشيعية السياسية التي تتبع إرشاد ولاية الفقيه في إيران، هي من تأتي برؤساء الحكومات من اليوم فصاعداً مروراً بتكبير حجم حلفاء الديكور عبر تصدرهم واجهة القرار ليتبين لاحقاً أن الشكل المُضخّم لا يعني سُلطة وقراراً ولا حتى موّنة، (حتى لو شارك عون شخصياً في معركة عبرا). ما كُتِب في إيران قد كُتِب، وصولاً إلى تصوير “الجماعة السنية”، ما بعد إلغاء الحريري الابن من المعادلة وإلغاء “وسامه الحسن” جسدياً وما بينهما، على الشاكلة الأفغانية المتشددة التي تُكفِّر وتذبح وتقتل وتأكل القلوب، بدليل الاستقتال “الممانع” على استضافة أقلية الأقلية من المتشددين السنة وتحويلهم إلى نجوم الشاشات التي يموّلها “حزب الله”، مهما اختلفت ألوان “ربطات عنقها” وتعددت عناوينها، ليتبيّن أن أسير صيدا الذي تصدر المواجهة الكلامية مع “حزب الله” ومن ثم العسكرية في وجه الجيش اللبناني، لم يستقطب بسلوكه وخطابه إلا عشرات قليلة من اللبنانيين.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، أطل العماد ميشال عون بالأمس مُستشهداً بحكومة التحالف الرباعي التي أخرجته من “جنة الحكم” مع “الطاشناق” و”الكتلة الشعبية”. جملة قصيرة أصاب فيها الجنرال أكثر من عصفور، حيث غمز من قناة الكتلة الشعبية لتذكير الوزير السابق الياس سكاف بذاك الموقف النبيل عشية زيارته المرتقبة إلى زحلة نهاية الأسبوع المُقبِل، وذكّر القيادة الجديدة لحزب الطاشناق الذي لم يُبادله جميل الوقوف إلى جانبه مفضلاً السير بأجندة “حزب الله” التمديدية أكان لمجلس النواب أم لقائد الجيش، ومذكراً أيضاً، وهنا الأهم، “رياض الصلح” المُفترض، أن إقصاء العام 2005 عن دخول الحكومة قوبل بإقصاء العام 2011 عن رئاستها، ما يعني تعادلاً عونياً حريرياً قُبيّل إطلاق صفارة العمل “على القطعة” بعد الخيبات المريرة التي أصابت الجنرال من حليفه المضرج بدماء سوريا وقرائِن بورغاس، كان آخرها رفض “حزب الله” القاطِع لاسمين أختارهما الجنرال لخلافة العماد جان قهوجي.
وهنا أيضاً لا بُدّ من سؤال وأكثر، هل ستُحسِن قوى 14 آذار عموماً و”تيار المُستقبل” خصوصاً قراءة الفنجان العوني الرامي إلى تقديم نفسه بالإشارة، مفتاحاً لحلحلة بعض العقد، لكن بشروط، وهل تُدرِك هذه القوى مجتمعةً أهمية النداء الذي يتسابق عليه جنرال الرابية مع أستاذ عين التينة بدعوة الرئيس السابق للحكومة إلى العودة، في رسالة رأى فيها البعض، فخاً ملعوباً بتوزيع الأدوار ما بين بري وعون، في حين قرأ فيه بعضٌ آخر أن دعوة بري منفصلة عن دعوة عون للحريري، ولا تُشبهها لا من قريب ولا من بعيد، لأن للمناورة “ملك واحد” اسمه نبيه بري. أما انفتاح الجنرال المُستجد، فله أبعاده الأخرى وأهدافه الأخرى وشروطه الأخرى وشيفرته الأخرى…
اليوم، يوقع وزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال قرار تأجيل التسريح لقائد الجيش لمدة سنتين منعاً للفراغ في المؤسسة العسكرية. أما غداً أو بعد غد، فهناك أوراق كثيرة ستُخلط، ومعركة جديدة ستُفتح، في مشهد تنافسي جديد ما بين جميع هذه القوى المتنازعة ليبدو السؤال الأهم أو الفرز الأهم في مرحلة ما بعد التمديد، ما بين فريق سياسي يريد إيصال العماد قهوجي إلى رئاسة الجمهورية وفريق سياسي آخر يفضل التمديد للرئيس ميشال سليمان من دون أي تدخل أو موافقة مسبقة ولا حتى تنسيق، لا مع قهوجي ولا مع سليمان على الأقل لأن قائد الجيش الحالي والقائد السابق للجيش، يعلمان أن ترجيح أي ظرف على آخر، مرهون بتوافق سعودي إيراني، وما خلفهما. فلا بأس من ترداد لازمة “Please Come Back”، ولو للتسلية في الوقت الضائع.