#adsense

أخطر من الأمن المفقود

حجم الخط

 

يبدو أن لبنان لا يزال يدور في دوامة الأمن المفقود، هذا الأمن المطلوب أن يبقى معلقاً على حبال الأزمات الخارجية والأحلاف الإقليمية لإيصال الرسائل الدولية عبره، ما يبقي نفق الأمن اللبناني مفتوحاً على لهيب النار المشتعلة حول هذا الوطن الصغير، والتي تهدد بإلتهام ثوبه في أي وقت، ما دام القيمون على السلطة غير مبالين بهذا الخطر، لا بل إن بعضهم ممن يسعى الى استحضار الحريق الى الساحة الداخلية.

صحيح أن اللبنانيين يعيشون اليوم ما يشبه الهدنة المؤقتة بعد الجولات الدموية في طرابلس وعبرا، أو هدوء ما قبل العاصفة التي لا أحد يعرف من أين ستهب هذه المرة، غير أن الحوادث الأمنية التي شهدتها المناطق اللبنانية وإن بالمفرق، تزيد منسوب القلق بشكل كبير، وربما يكون خطرها أكبر من مدافع وصواريخ الجبهات المحصورة في مناطق جغرافية محددة، هذه الحوادث التي أطلت تباشيرها بعودة عمليات السطو المسلح على المصارف والمؤسسات التجارية، مروراً بانتعاش ظاهرة القتل الغامض في أكثر من منطقة على غرار مقتل فتاة أول من أمس في الكسليك، ومقتل جندي في الجيش قبل يومين في زغرتا، الى التجرؤ مجدداً على مواجهة دوريات قوى الأمن بالنار عند قيامها بواجبها الأمني، وهو ما تعرضت له دورية منذ يومين في الرمل العالي أثناء تعقبها أحد تجار المخدرات في منطقة الرمل العالي، وصولاً الى عودة ظاهرة الخطف بخلفيتيها السياسية والأمنية وهذا ما حصل قبل يومين مع ابن عرسال قاسم الأطرش الذي خطفه مسلحون في اللبوة وحمّلوه رسالة أمنية الى أهالي بلدته، وما تعرض له أيضاً مواطنون سوريون في البقاع من خطف بخلفية سياسية أيضاً، وانتهاء بما يشبه تجاوز الخطوط الحمر المتمثل بخطف عصابة معلومة مجهولة لطفلة لا تتعدى العشر سنوات وطلب فدية مالية مرتفعة لقاء تحريرها.

هذه الحوادث التي تبقى مجرد عينة صغيرة عما تعيشه فئات في أكثر من منطقة وتبقى غير معروفة ولا تصل الى الإعلام، تعيد طرح السؤال الجوهري عن الأهداف الكامنة وراء تلاشي الدولة، وشلّ قدراتها لصالح العصابات ومحمياتها الأمنية وبيئتها الحاضنة، وهي ترسم خطاً بيانياً الى ما يمكن أن تتجه اليه الأمور في ظل فقدان الدولة لقدراتها الأمنية، وتفشي السلاح المتفلت والمحمي من دويلات مستقوية على الدولة وأجهزتها، وتطرح الكثير من علامات الاستفهام عن جدوى دكّ بنيان الدولة ومؤسساتها، وما إذا كانت هذه الحوادث تصب في خانة فريق ضدّ فريق آخر، والى أي حدّ يمكن أن يستمر هذا الواقع المخيف على كل الصعد.

لا شكّ أن مثل هذه الحوادث تقع في البلدان المتحضرة والأكثر امناً ورخاء وربما تشهدها دول مثل السويد أو فرنسا أو السويسرا، برأي خبراء أمنيين، لكن الفارق بين الجرائم الواقعة في تلك الدول وبين الجرائم اللبنانية، هو أن ما يحصل في لبنان، ليس إلا عينة عن أرضية تحضّر لما هو أفظع وأخطر بكثير، وهنا يكون الرابط بين هذه الظواهر والتراجع المخيف في قدرة الدولة وسلطتها لحساب الميليشيات المسلحة وقوى الأمر الواقع التي تارة تطلق هذه العصابات من عقالها وتارة أخرى تلجمها بحسب الحاجة والظرف والتوقيت والإفادة منها.

وإذ يرى الخبراء الأمنيون أن هذه الحوادث لا تزال حتى الآن تحت السيطرة، بمعنى أن الأجهزة الأمنية قادرة على إحصائها ومعالجة معظمها، إلا أن مؤشراتها المستقبلية غير مطمئنة”. وترى أن الأمن الفعلي مرتبط الى حد كبير بالأمن السياسي الذي على ما يبدو آخذ الى مزيد من التشنج والصدام وهذا يرجح أن ينعكس على الأرض، ويفتح المجال على كثير من الحوادث التي قد يصعب ضبطها، في ظل انتشار السلاح في كل المنطق. ومع التسليم بأن الأمن سياسياً قبل أن يكون أمن السلطة، يعترف هؤلاء بأن الخطورة تكمن في محاولة تجريد مؤسسات الدولة، لا سيما أجهزتها الأمنية من هيبتها وسلطتها. إذ إن سلطة رجال الأمن لا تقف عند قمع مخالفة أو تدوين محضر أو التحقيق في جريمة، إنما تتعداها الى الهيبة والقدرة على فرض القانون والنظام وتطبيقه على الجميع على قدم المساواة، وما دام استضعاف الدولة مستمراً فإن الأمور آخذة الى مزيد من التفاقم والإنفلات الأمني وتراجع القدرة على المعالجة. بمعنى أنه إذا كانت هذه الحوادث مخيفة، فإن المؤشرات تنبئ بأن الآتي أعظم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل