“لا تكن قاسياً فتكسر”. خير كلام يقال لـ”حزب الله” اليوم، أكان بري يقصده في هذا الاتجاه أو لا يقصده. قد يكون في “فمه ماء” كالعادة، ما يدفعه إلى عدم المباشرة في الكلام السياسي على قاعدة “إن اللبيب من الإشارة يفهم”، أو على قاعدة أن يُفسر المراقب ما يقوله بري بعكس معناه المباشر، ما دام يعتبر أن دعوته إلى الرئيس سعد الحريري للعودة إلى لبنان، “نجحت في تكريس الرئيس المكلّف تمام سلام لتأليف الحكومة بعدما كان هذا البعض يحاول ترشيح أسماء جديدة بديلاً من سلام”، على حد تعبيره.
بعيداً من تأويل ما يقصده بري، وقريباً من تطويع القول المأثور في السياسة الداخلية، لا يبدو “حزب الله” ليناً أبداً، بل “قاسياً” دائماً، وهو وفق كلام بري، لن يُعصر، بل سيُكسر.
لا يأتي هذا التحليل من عدم، ثمة من يرى فيه تجسيداً لواقع “حزب الله” المأزوم، من دون أن يتراجع قيد أنملة عن ممارساته وسياساته، وتحديداً في ما يخص قتاله في سوريا، والذي استدرج قراراً أوروبياً بإدراجه على لائحة الإرهاب، وقطيعة مع العالم العربي ودول مجلس التعاون الخليجي، ناهيك عن القطيعة مع الداخل اللبناني، جراء سياسات التهديد والوعيد والاستكبار والتخوين، المغلّفة بـ”عسل”ٍ بات أقرب حلفائه النائب ميشال عون يتذوقه “سماً”، بدليل ندائه الأخير، الذي يبدو موجهاً إلى الحلفاء قبل الخصوم.
أما على خط “14 آذار”، فبري يكاد يكون “الشاهد الأول” على أن “ليونة 14 آذار” كانت كفيلة بعصرها، مرات عدة، وفي كثير من المبادرات التي كان رئيس المجلس يصنعها أو شريكاً في صناعتها. وهي اليوم، وإن تخلت عن ليونتها بعدما شبعت عصراً، ليست في موقع من يهدف إلى كسر أحد، مهما كان قاسياً تجاهها، كما هي حال “حزب الله” الذي يملك عدة القساوة، سلاحاً لم يوفره للانقضاض على قوى “14 آذار” لفرض أمر واقع، فيما هي لا تملك غير سلاح الكلمة ورفع الصوت حيال هذه الممارسات، إن في لبنان أو في سوريا.
بهذا المعنى، لا يجب أن يشكو بري من التشكيك في مبادراته التي تنطوي على مناورات لم تعد تنطلي على “14 آذار”، فقد سلفت هذه القوى بري و”8 آذار” الكثير، لكنها لم تسترد شيئاً في المقابل. جرى التمديد للمجلس النيابي برئاسة بري، لكن ذلك لم يقرش تأليفاً للحكومة الحيادية، بل مزيد من الشروط التعطيلية، تارة بـ”جملة” الثلث المعطل، وطوراً بـ”مفرق” انفراط عقد “8 آذار”، وصولاً إلى تهديد “حزب الله” بأنها لن تبصر النور إذا لم يكن مشاركاً فيها.
بعيداً من التشكيك، يبدو بري مربكاً في مبادراته، فليس من عادته أن يوضح أو يبرر، لكنه اليوم يفعل ذلك، بعدما ذابت مبادراته في بحر مناورات “حزب الله”. لذا، فإن واجبه اليوم، ألا يقف مكتوف اليدين، أو أن يكتفي بلوم قوى “14 آذار” التي تطبق قوله المأثور، بل عليه أن يلوم “حزب الله”، إذا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ويقنعه بأن القول المأثور يقول :”لا تكن قاسياً فتكسر”!