#adsense

“رؤية حوارية” على الطريقة.. الإيرانية

حجم الخط

 

يملك السفير الإيراني في لبنان غضنفر ركن أبادي “رؤية” لحلحلة “الأزمة السياسية” تحاكي الشعب مباشرة: “لا خلاص له من الأزمة السياسية التي يعاني منها إلا من خلال الحوار والتوافق، بعيدا عن الإرادات الخارجية لا سيّما الأميركية (..)”. هذه “الرؤية” تلازم السفير، إذ يبدو أن غضنفر مهووس بـ “الحوار” ومفتون بـ “التوافق”، فيطرح دائما “الرؤية” ذاتها للأزمة السورية ويكررها في تصريحات سابقة له. ألا تستحق خصوصية كل بلد وفرادة كل أزمة موقفا مختلفا؟

بالنسبة للسفير الإيراني، النظرة الى سوريا ولبنان واحدة، أو بالأحرى فإنه ينظر الى البلدين بعين واحدة، كون سوريا هي الممرّ الإيراني الى لبنان فيما “حزب الله” هو الوسيط، الذي بالطبع لا ينطبق عليه لا الحوار ولا التوافق، لأنه خارج أي معادلة نقاش، ولأنه يدرك أن الحوار الذي يطالب به “حزب الله” يتلاقى مع الحوار الذي يعرضه السفير.. فأي حوار يريد غضنفر، وأي توافق للخلاص الذي تحدث عنه؟

لا بدّ أولا أن يكون الخلاص على يد “حزب الله”، فالسفير يقارن الأخير بإسرائيل قائلا “إسرائيل أم الإرهاب (..) تعتبر في نظر الغرب واحة للديموقراطية في الشرق الأوسط وأمنها مقدس لا يمسّ، لكن “حزب الله” الذي يدافع عن أرضه وكرامته ووطنه وعن الأمة جميعا يتم تصنيفه إرهابيا”. فلا جدال أن إسرائيل تمارس الإرهاب بحقّ الشعوب العربية وخصوصا الشعب الفلسطيني، لكن في أي خانة يمكن تصنيف المجازر التي يقوم بها “حزب الله” دعما لنظام بشار الأسد في سوريا لإبادة الشعب السوري المعارض للنظام؟ فهل الحوار مسموح في هذا الإطار أم أن “الرؤية” هي وجهة النظر الوحيدة؟

وتندرج وجهة نظر غضنفر في الدائرة المقفلة التي يريدها الممانعون إطارا “للتهديد الخلاصي المشروط”، فإن أذعن اللبنانيون شعبا وسياسيين لوجهة نظر السفير، ونفّذوا “الحوار والتوافق” على طريقته لوفّروا عليهم الأزمات المقبلة، التي يهدد بها “حزب الله” والتي سببها تراكم ردود الفعل على ممارسات الحزب في الدول العربية والغربية، وقبلها في لبنان.. أما إذا لم يخضعوا للحلّ الذي “يطرحه” السفير بكل ديموقراطية فإن التداعيات قادمة لا محالة!

لا يحتاج اللبنانيون الى التفكير في حلول، لأن السفير الإيراني موجود في لبنان ليفكّر عنهم، ولأن وجهة نظره تغني عن اقتراحات الحلول التي يقدّمها أبناء الوطن. مهلا.. أليس هذا أيضا تدخّلا خارجيا؟! ألا يفترض بالتصنيفات والإقتراحات ووجهات النظر في لبنان أن تكون محض داخلية؟ قد يبدو مجرّد الكلام بعيدا عن التدخلات الخارجية بالنسبة للبعض، لكن ما إن يقترن هذا التدخل الكلامي بالفعل يصبح التدخل واقعا، وكان آخر تلك التدخلات المصوّرة والموثّقة يوم تآمر الخارج مع طرف في الداخل لـ “اغتيال” الشاب هاشم السلمان لأنه وَثِق بالديموقراطية. تدخّلوا هناك فسلبوه حياته، ويتدخّلون في لبنان فيجيّرون ديموقراطيّته لصالحهم، فأي “حوار وتوافق” ينادي بهما السفير الإيراني في لبنان؟

يكفي أن يندد السفير الإيراني “بقوة بهذا القرار (قرار الإتحاد الأوروبي) الذي لا يستند إلى مبررات أو أدلة”، كي تكتمل صورة التكامل بين الحزب وإيران عند كل المفاصل السياسية، وأن يكون رفض الإتهامات تكتيكا لاحقا لاستعادة الشارع الممانع وتحصينه تجاه أي قرار خارجي. وعلى الأقل بالنسبة للبنانيين، فإن قتل هاشم على مرأى من الممانعين والمحايدين، يستند الى أدلة وبراهين كفيلة بأن تحّرك العدالة المحلية.. ولكن الأمر خرج عن طوع اللبنانيين حين أطلقت الدول العربية والخليجية والغربية أحكامها، ولا فائدة بعد اليوم من “فرض” وجهات النظر على الداخل.

كل اللبنانيين يسلّمون أن همّ الولايات المتحدة هو الحفاظ على أمن إسرائيل، ولكنها ليست بصدفة أن ينقلب العالم كلّه ضدّ الممانعين، كما أنه ليس منطقيا أن تدير أميركا دول العالم وكأن الجميع تحت سيطرة قطب واحد، ما لم يتحقق في تاريخ العلاقات الدولية! يبقى أن وحده المتضرر من قرار الإتحاد الأوروبي هو لبنان، الذي “يشفق” السفير الإيراني على شعبه ويحاول أن يخفف من معاناته عبر “الحوار والتوافق”، حوار على جثة الشاب اللبناني الذي قتل بدم بادر أمام السفارة الإيرانية، وتوافق مشروط بالخنوع.

أن يقضي هاشم السلمان، وقبله عدد من أبناء بيروت في 7 أيار على أيدي الممانعين المعروفين، يقلل من الشكوك التي تحيط بـ “براءة” الممانعة.. وفي كلام السفير دلالة على تحدّ إيراني مقابل الإتهام الأوروبي، كأنما يقول انه من المستحيل إكتشاف المبررات والأدلة. “يفاوض” غضنفر ركن أبادي الشعب اللبناني على كرامته من داخل لبنان بتدخلات تكاد تعلو وتيرتها في كل مرحلة مفصلية، من دون أن ينجح.. فهل بإمكانه أن “يفاوض” الأوروبيين بعد قرار الإتحاد الأوروبي؟ وهل بيده حيلة؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل