.. لا يفاجئ ذلك الخبر مَن هُمْ خارج إيران، باعتبار أنّ السياسة المعلنة تقول بعدم توفير أي شيء من أجل ما أسماه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله “منع سقوط سوريا في أيدي الأميركيين والإسرائيليين”.. وهو الخط المعتمد بتصاعد وليس بتنازل.. الأمر الذي يشير إلى أنّ الحرب السورية هي (وستكون أكثر) أحد أبرز مصادر ومسبّبات استنزاف الإيرانيين وأدواتهم في كل المجالات.
والواضح أنّ ذلك الدعم هو الذي يُبقي ذلك النظام واقفاً على قدم واحدة. ومعظم المعنيين بالشأن السوري يقولون إنّه لولاه لتغيّر المشهد تماماً منذ مدّة طويلة.. وواضح أكثر، أنّ النظام في طهران ينظر إلى ما يجري باعتباره “معركة حياة أو موت” بالنسبة إليه. حيث أنّ الاستثمار الطويل المدى الذي راكمه على مدى ثلاثة عقود في سوريا وعبرها في لبنان، معرّض للضياع والاندثار عندما سيسقط النظام، ولمحاولة تفادي ذلك تُعتمد الأساليب اليائسة للمقامرين: ينخرطون في الخسارة لمحاولة ردّ خسائرهم! والنتيجة الأكيدة هي الإفلاس الأكيد!
لكن لو كنت إيرانياً لتفاجأت!
حيث أنّ المآزق الاقتصادية والمالية والمعيشية والخدماتية التي تواجه عموم الإيرانيين وصلت إلى مرحلة متقدّمة جداً. والخسائر التي تسبّبها العقوبات الدولية لم تعد من النوع الذي يُحتمل أو يمكن التغاضي عنه.. والقيمة الشرائية للعملة الوطنية تخضع لميزان رقّاص على قاعدة الخسارة المتدرّجة. وإن كل ذلك كان أحد أبرز الأسباب التي أوصلت الشيخ حسن روحاني إلى سدّة الرئاسة باعتبار أنّه يمثّل (ويحمل) برنامجاً مضادّاً لبرنامج الكارثة الذي اعتمدته التركيبة الحاكمة بكل مراتبها في السنوات الماضية.
أحد أبرز الشعارات التي ردّدها ناخبو الشيخ روحاني خلال حملته الانتخابية كان ذلك الصارخ ضدّ “التدخّل” في غزّة ولبنان ثم في سوريا. وأحد أبرز المسائل التي طُرحت وتُطرح على النقاش الداخلي كانت عن معنى صرف الأموال في الخارج فيما الداخل يئن ويتوجّع تحت وطأة حاجياته ومتطلباته وأساسيته.. وأحد أبرز الخلاصات التي انتهت إليها المعركة الرئاسية، قالها الشيخ روحاني بنفسه بعد قليل من إعلان النتائج، من أنّ انتخابه “يؤكّد أنّ الشعب الإيراني لا يؤيّد تدخّلنا في سوريا”.. سُحِبَ ذلك الكلام في اليوم التالي وقيل بدلاً منه كلام آخر لا يعني شيئاً استثنائياً خارج دائرة الموقف الرسمي، لكن الرسالة كانت أرسلت بالفعل!
بانتظار “شيء آخر” من إدارة روحاني في شأن الدور الخارجي الفضفاض عموماً وفي سوريا خصوصاً، فإنّ إيران الرسمية اليوم مصرّة على إعادة تمثيل دور الاتحاد السوفياتي (الراحل!): مصارع بمعدة خاوية! أدوار كبرى في الخارج وخواء اقتصادي معيشي في الداخل!.. وفي مقابل كل ترسانة حربية تُبنى، هناك “ترسانات” معيشية وتنموية تزداد فراغاً!
ثم بعد ذلك، فإنّ هناك شيئاً واحداً يتّفق عليه “الجميع” تقريباً وبالعمق، أي مؤيّدو الأسد ومعارضوه على حد سواء، وهو أنّ الحرب لن تنتهي سريعاً، لكن نتيجتها “انتهت” فعلياً، وهي لا تلحظ شيئاً اسمه بشار الأسد ونظامه في سوريا المستقبل.
.. وذلك يعني، أنّ إيران تستثمر في الخراب، وتضع ماءها في سلّة مفخوتة. والمعنيون فيها هم أكثر مَن يعرف ذلك، لكنهم على عادتهم يعوّلون دائماً على السماء لإنقاذهم على الأرض!.. وهيهات هذه المرّة، أن يختلّ منطق العدل في هذه الدنيا، وأن ينتصر الظالم على المظلوم، والجلاد على الضحيّة!