فبعد جولات مكوكية للمنطقة نجح وزير الخارجية الاميركي جون كيري في انتزاع موافقة الطرفين على استئناف مفاوضات متوقفة منذ نحو ثلاث سنوات وسط مناخ تفاؤل حذر باحتمال توصلها الى نتائج مقبولة رغم وصف كيري بأنها “بناءة وايجابية” ووصف الرئيس الاميركي باراك اوباما الاستئناف بأنه “لحظة واعدة”.
فرغم التفاؤل اللفظي توحي مؤشرات الاطراف الثلاثة كما المحلليّن بأن الجولة الحالية ستؤدي كما سابقاتها الى طريق مسدود. ويشير مصدر فلسطيني متابع لملف المفاوضات منذ انطلاقها في اوسلو قبل 20 عاما الى عوامل مشتركة بين الولايات المتحدة واسرائيل كما الفلسطينيون يلخصها بالحذر الشديد وبتخفيض سقف التوقعات خصوصا في التعامل الاعلامي.
ويلفت الى “ان عوامل الفشل متوفرة في الاعلانات التفاوضية نفسها”. فثوابت الفلسطينيين هي هي في ما يتعلق بحدود الدولة وموقع القدس وحق العودة، فيما ثوابت الاسرائيلي معاكسة تماما. كما ان الضمانة الاميركية التي طلبها ابو مازن من الاميركيين ان تكون “مكتوبة” ليست واضحة. فقد اكتفى كيري بتقديم تعهد شفهي بالتزام حدود العام 1967 وبان يكون مصير القدس جزءا من الحل.
ويرى المصدر نفسه ان الادارة الاميركية هي “صاحبة المصلحة الاولى”. فاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة والموافقة على طرح كافة النقاط على طاولة الحوار يلبّي أساسا حاجة اميركية لانه يأتي بعد توقف استنفد ولاية اوباما الاولى ونصف ولايته الثانية بدون النجاح في تجسيد أي من مبادئ خطاباته التي القاها في القاهرة او اسطنبول. ولهذا تأثير سلبي على مجمل سياسته في الشرق الاوسط حيث كل المتغيرات المتفجرة مع الربيع العربي لم تفلح في الغاء الحضور الاساسي للصراع العربي الاسرائيلي في أي تصور جديد للمنطقة خصوصا بعد ان حملت ايران الراية الفلسطينية وتبعتها تركيا ثم الاخوان المسلمين في مصر. لذا فان رسم الولايات المتحدة لاستراتيجية شرق اوسطية يبقى منقوصا بدون حلّ هذا الصراع، او على الاقل ان يكون خطه البياني متحركا للوصول الى توازن جديد..
ويعزو المصدر تحديد مهلة التسعة اشهر لانهاء المفاوضات الى حاجة الولايات المتحدة، في ظل المشهد المتحرك في الشرق الاوسط، الى انجازات قصيرة الامد تتجسد في المدييّن المباشر والمتوسط لرسم قراءة جديدة للجيوبوليتيك. فبعد هذه المدة يدخل اوباما في السنة الاخيرة لولايته الثانية وتتميز عادة بتراجع قوة الدفع لديه. كذلك فإن تحديد المهلة يلبي مطلب ابو مازن الذي يعارض ان تكون المفاوضات مفتوحة ويطالب بجدولة عملية وزمنية اضافة الى ان وعد اسرائيل بالافراج عن اسرى فلسطينيين محتجزين منذ اكثر من عشرين عاما بتهم دموية يلبي مطلبا اخر للقيادة الفلسطينية.
لكن هذه الحاجة الاميركية تختلف عن الحاجة الاسرائيلية التي تفضل استمرار الوضع على حاله لمواصلة توسيع الاستيطان وتهويد القدس وفرض تعديلات ديموغرافية.
ويلفت المصدر الى ان المسافة الفاصلة بين اولويات الاميركيين والاسرائيليين شاسعة، وهي كذلك بين الاسرائيليين والفلسطينيين. ويرجّح ان تتركز الضغوط الاميركية خصوصا لما لها من بعد مالي على الجانب الفلسطيني، لتعذر ممارستها بقوة على اسرائيل. فبسبب انسداد الافق وافق ابو مازن على دفع الثمن مقدّما عبر التنازل عن الشروط المسبقة حتى لا يدفع ثمن الفشل خصوصا وقد أمن له وزراء الخارجية العرب تغطية لذلك. وبالتالي أيا ستكن النتائج فهذه الحنكة الفلسطينية، التي يهمها الوصول الى نقاط توافق مع الاميركيين، ستسمح بالقول لهم عملنا ما علينا وما طلبتموه فلا تحملونا الفشل.
والهروب من تحمّل مسؤولية الفشل هو كذلك سبب رضوخ نتنياهو للضغوط الاميركية وليست قناعة مستجدة بضرورة التوصل الى حلّ نهائي للصراع. فنتنياهو وفريق حكومته متوافقون على اولوية تتعلق بالملف النووي الايراني لا بالاستحقاق الفلسطيني. وقد أمن له الاتفاق تأخير ابو مازن، تسعة اشهر على الاقل، عن التقدم الى الجمعية العمومية للامم المتحدة في اواخر ايلول المقبل بطلب الاعتراف ببلاده دولة كاملة العضوية بما سيعني الاعتراف، وفق القانون الدولي بحدود العام 1967، ويسمح بالتالي بالادعاء على عسكريين اسرائيليين امام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
والتشكيك باحتمال نجاح هذه الجولة من المفاوضات لم يعد بحاجة الى عرقلة تمارسها حركة حماس او دول محور الممانعة من ايران الى سوريا. فحماس التي رفضت استئناف المفاوضات تلوح بالعودة الى حضن ايران وتتشدد في نبرة معاداة الاميركيين لكن قدرتها على التدخل او العرقلة محدودة “فامكانية الابتزاز تراجعت بتراجع محور الممانعة ولان مصيرها بات مرتبطا بما ستؤول اليه الاوضاع في مصر” بعد خروج الاخوان المسلمين من الحكم وبانتظار تبلور التسوية.