عيد الجيش.. الحقيقي!

يحتفل الجيش في عيده الثامن والستين، في ظرف أقل ما يمكن وصفه بأنه غاية في الدقة، حيث تستمر المحاولات الحثيثة لإبعاد الوطن عن شفير هاوية الانفلات الأمني الكامل، ودوامة الصراع الداخلي الدموي، في حين تحاول بعض القوى الخارجية والداخلية، الزج بلبنان عمداً في أتون الاقتتال البغيض، ناقلة الاختلاف السياسي من المؤسسات إلى زواريب الشوارع وأزقتها.

وهنا يبقى الرهان على الجيش كضمان لوحدة الوطن وثبات السلم الأهلي، في حين نجحت هذه القوى المتناحرة بإفراغ مؤسسات الدولة من جوهر ممارساتها، وقامت بتعطيل المؤسسة التشريعية، والسلطة التنفيذية، وجزءٍ من المؤسسة العسكرية بعد الفراغ الذي وقع في قيادة قوى الأمن الداخلي، بعدما فشلت الطبقة السياسية في التوافق على التمديد للواء اشرف ريفي، أو تعيين البديل الأصيل عنه.

وحتى يكون الجيش على مستوى التحدي والرهان، لا بدّ من ممارسة دوره لفرض الأمن بشكل حازم ومتساوٍ وعادل بين مختلف الأفرقاء، بعيداً عن سياسة المكيالين والانحياز، أو حتى الاستنسابية العقيمة، والتي من شأنها أن تعمّق الشرخ بين شركاء الوطن وتؤجج الاختلافات، فتعطيها أبعاداً أخطر من واقعها.

أما الشرط الثاني لنجاح المؤسسة العسكرية في مواجهة التحديات فهو مرتبط بالأول، ويتطلب بيئة حاضنة وداعمة لها في مواجهة الإرهاب والجريمة، وكل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الوطن والمواطن. فالمؤسسة التي صمدت على مدى سنوات في زمن العواصف المحلية، بدءاً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والانقسام العامودي الذي خلفه هذا الاغتيال، وما تبعه من جرائم وأحداث، عززت الاصطفافات الداخلية، وأججت المشاعر الشعبية، ودفعت بالبلاد إلى فوهة بركان الاقتتال، كانت هذه المؤسسة تضرب بيد من حديد بلا تفرقة أو انحياز، وكانت القاعدة الشعبية الأكبر داعمة لها، جاعلة من الجيش، والجيش فقط ، خطاً أحمر في المعادلة الداخلية.

أما الغطاء السياسي، فهو عنصر لا بدّ منه لضمان نجاح الجيش في مهامه الأمنية، من دون أي انحراف عن الصراط الوطني المرسوم له، وإحباطاً لأية محاولة للاستثمار السياسي الرخيص، الذي من شأنه أن يشوّه صورة المؤسسة العسكرية ويسحب الثقة الشعبية منها، بل يطرح علامات استفهام عديدة حول النوايا الحقيقية من السياسات المتّبعة.

لقد حدّد الرئيس سليمان خارطة طريق واضحة للخروج من المأزق الواقع في الحكم، تبدأ ببطلان ازدواجية السلاح الذي يُضعف المؤسسة العسكرية وهيبة الدولة ككل، وصولاً إلى حصرية جواز الشهادة في سبيل الوطن، ولا يجوز أن تروي دماء أبنائنا أرضاً غير أرض لبنان… مروراً بضرورة توفير كل عوامل الدعم اللوجستي، عبر تعزيز القدرات القتالية والسلاح المتطور، كون العنصر البشري في الجيش اللبناني قد سبق عتاده بمراحل، وهو بانتظار اكتمال تجهيزه بما يتناسب مع المهام الجسيمة الملقاة على عاتقه، فعندها تنتفي الحاجة لأي سلاح آخر، وتصبح الدولة اللبنانية قادرة على حماية حدودها، وفرض هيبتها وسلطتها في الداخل، واحترامها تجاه الخارج… عندها يكون عيد الجيش الحقيقي هو عيد الوطن كله!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل