مفهوم تبييض الاموال تعريف واسع يشمل الاموال المتحصلة من تشجيع الدعارة، وتجارة المخدرات، والتهرب من الضرائب، ومخالفة القرارات الدولية بمنع التعامل مع دول معينة، وتمويل الارهاب الخ.
بعد قرار الاتحاد الاوروبي اعتبار الجناح المسلح لـ”حزب الله” تشكيلاً ارهابياً بات متوقعاً زيادة الضغط على لبنان لكبح تبييض الاموال وخصوصاً من فئات متعاطفة مع “حزب الله”. والجميع يذكرون ان اتهام مصرف بعمليات تبييض اموال قبل اثبات التهمة، ادى الى اقفال ابواب المصرف المعني، ومبادرة مصرف لبنان الى دمج هذا المصرف بآخر من صفوف المصارف الاولى في لبنان، في مبادرة حافظت على حقوق المودعين، بينما تكبد المساهمون في المصرف جزاءً نقدياً فاق الـ100 مليون دولار.
إن فرض العقوبات في مجال تبييض الاموال انحصر الى حد بعيد بالسلطات الاميركية، المتمثلة بدائرة مكافحة تبييض الاموال التابعة لوزارة المال الاميركية وليس البنك الدولي الذي هو مؤسسة دولية معنية في المقام الاول بتمويل عمليات الانماء والتجهيز البنيوي في البلدان النامية.
والاميركيون يخصون لبنان باهتمام كبير يفوق حجمه الاقتصادي، واستنسب ذكر عشاء دعا اليه سفير الولايات المتحدة في لبنان سابقاً جيفري فلتمان في تاريخ 28/2/2005، أي بعد اسبوعين من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهدف العشاء لم يكن اجتماعياً بقدر ما كان للبحث في مستقبل لبنان بعد غياب رفيق الحريري.
كان المدعوون الى العشاء ستة منهم ثلاثة احدهم كاتب المقال والرئيس عدنان القصار، وزير الاقتصاد في الحكومة التي كانت استقالت في تاريخه بعد استقالة رئيسها عمر كرامي تحت وطأة الانتقاد القاسي الذي وجهته السيدة بهية الحريري، والوزيرة ليلى الصلح.
أثار السفير موضوع تبييض الاموال وقال ان علينا نحن اللبنانيين ان نحتاط لممارسات هذا التبييض، وفي ذلك الوقت كان مجموع اصول المصارف اللبنانية في نهاية 2004 يوازي 32 مليار دولار.
انبريت كعادتي للمناقشة ووجهت كلامي الى السفير فلتمان متسائلاً لماذا هذا الاهتمام بموضوع لبنان، وحجم ودائع مصارفه لا يدعو الى التخوف، وقلت له إن سيدة تعمل في بنك نيويورك، وهي من اصل روسي، تولت تبييض 9٫5 مليارات دولار، فكان جزاؤها دفع مليون دولار غرامة عن عملها، في حين أنها كانت تقاضت اكثر من 10 ملايين دولار ومدفوعات تحفيزية لعملها المنتج. ثم قلت، سعادة السفير، لماذا لا تنظرون الى تبييض اموال الروس الذين نهبوا اموال الدولة ايام يلتسين وهاجروا الى اسرائيل وانكلترا وجورجيا ولم يواجهوا أي مساءلة. واخيراً تجرأت وقلت للسفير إن اكبر عامل لتبييض الاموال هو الولايات المتحدة. فأندية القمار في لاس فيغاس، واتلانتيك سيتي تحقق ارباحاً بمليارات الدولارات، من تدفقات تبلغ على الاقل عشرة اضعاف الارباح، وليس ثمة من يعرف مصدر هذه الاموال، والى اين تذهب مدفوعات الارباح عن المراهنات.
لم يجب السفير عن أسئلتي بل تابع تحذيره من ان علينا اتخاذ كل الاجراءات التي تكشف عمليات تبييض الاموال. ومذذاك رأينا السلطات الاميركية تفرض عقوبات مالية على مصارف ناتجة من التهرب الضريبي، والنتيجة للضغط الاميركي على سويسرا تجلت في تبخر مفهوم السرية المصرفية لدى المصارف السويسرية وتمني المصارف السويسرية الكبرى الانسحاب من السوق الاميركية.
في المقابل، لم يتقدم الأميركيون بأية مطالبات لمكافحة تبييض الاموال في الصين. ومعلوم ان نوادي القمار في شانغهاي باتت تعمل على نطاق اوسع من لاس فيغاس، وارباح نوادي القمار في شانغهاي تتجاوز ارباح نوادي لاس فيغاس، والصين في مأمن من مواجهة المطالب الاميركية لأسباب عدة، اهمها ان الصين صارت ثاني اقتصاد عالمي حجماً، وان التوظيفات الاستثمارية الاميركية في الصين ضخمة وتشمل معامل للسيارات، وانتاج الطائرات، ومعامل لانتاج المعدات الكهربائية، كما تعتمد الولايات المتحدة في الكثير من صناعاتها الالكترونية على الشرائح الذكية المنتجة في الصين. ويضاف الى كل هذه الاسباب ان الصين استثمرت حتى تاريخه 1600 مليار دولار في سندات الحكومة الاميركية.
اللبنانيون معرضون للضغط الاميركي لان لبنان بلد صغير، لكن اللبنانيين في انتشارهم الاميركي، وفي افريقيا، وفي آسيا، يحققون نتائج ساهمت ولا تزال تساهم في دعم الاقتصاد اللبناني واستمراره. فمن المعلوم ان تحويلات اللبنانيين عبر المصارف من الخارج الى لبنان، تبلغ ثمانية مليارات دولار وعلى الغالب هنالك نحو ملياري دولار تحول نقداً الى لبنان، لان اصحاب هذه الاموال يحصلون عليها نقداً نظراً الى طبيعة عملهم. واللبنانيون العاملون في الخارج يوازي عددهم على الاقل 35 في المئة من مجمل اليد العاملة في لبنان، وهم يكتسبون خمسة إلى عشرة اضعاف ما يمكنهم اكتسابه في لبنان، وقد باتوا يحوزون ثروات ملحوظة.
لنأخذ امثلة على توافر النقد في مقابل خدمات او سلع حياتية يؤمنها اللبنانيون في افريقيا، والعراق، وايران، وباكستان، وارمينيا، وناغورني كاراباخ، والسودان الخ.
عائلة واحدة تبيع يومياً في غرب افريقيا مئة مليون رغيف من الخبز، فان كان الربح او الدخل الصافي يوازي نصف سنت عن كل رغيف يتحصل لهذه العائلة نقداً – فليس ثمة من يشتري ارغفة الخبز في افريقيا الغربية ببطاقات مصرفية او شيكات – 500 الف دولار يومياً او 180 مليون دولار سنوياً.
مثل آخر، عائلة لبنانية معروفة تمثل شركة ببسي كولا في نيجيريا عدا تمثيلها منتجات غذائية اخرى، فان كان معدل استهلاك الفرد سنوياً 10 زجاجات ببسي كولا تكون المبيعات في بلد يبلغ عدد سكانه 120 مليوناً، ملياراً ومئتي مليون زجاجة او علبة ولنفترض الربح على مستوى خمسة سنتات فيكون الدخل النقدي 600 مليون دولار سنوياً.
اخيراً نشير الى اربع شركات لبنانية، اسسها وشغلها مبادرون لبنانيون في حقل الاتصالات، وشبكاتهم تغطي بعض او كل اراضي انغولا، الجزائر، وساحل العاج، باكستان، بنغلادش، ايران، السودان، العراق، ارمينيا، ناغورني كاراباخ، اذربيجان. ولهذه الشركات اكثر من 25 مليون مشترك في هذه البلدان، فان كان الدخل 10 دولارات لكل هاتف شهرياً ومبيعات الخدمة تتوافر ببطاقات ترمى بعد الاستهلاك، تكون المداخيل النقدية لهذه الشركات 250 مليون دولار شهرياً او ثلاثة مليارات دولار سنوياً. ويضاف الى هذه المداخيل النقدية مداخيل ملحوظة من شركات لبنانية عاملة في مجال الاتصالات في السعودية وتركيا حيث المدفوعات تسدد بواسطة المصارف.
السلطات اللبنانية تعمل برصانة ودقة على مكافحة تبييض الاموال سواء عبر نماذج فتح حسابات الزبائن، او ملاحقة حركة الحسابات، وتقصي المعلومات عن اصحاب الحسابات الكبرى، ومصرف لبنان انشأ منذ سنوات هيئة خاصة بمكافحة تبييض الاموال، وقد انتدب احد نواب الحاكم الدكتور محمد بعاصيري، الذي كان رئيس لجنة الرقابة على المصارف، ورئيس هيئة مكافحة تبييض الاموال، للتواصل والتباحث مع السلطات الاميركية.
والاميركيون فوضوا الى نائب وزير المال لمكافحة تبييض الاموال مهمة التواصل مع المسؤولين في لبنان، سواء في مصرف لبنان، او في المصارف الرئيسية، او في جمعية المصارف، وهو يزور لبنان دورياً لهذه الغاية كل بضعة اشهر، ولذلك ليس هنالك من تباعد في التواصل حول هذا الموضوع على الاطلاق.
من المؤكد أن لدى الاميركيين اجندة خاصة بلبنان، قد يغلب عليها الشأن السياسي، وهم في مركز القوة. فالدولار هو عملة تمويل 65 في المئة من التجارة العالمية، فان شاء الاميركيون التضييق على المصارف اللبنانية، يؤخرون فتح الاعتمادات او التحويلات بالدولار لأوقات تنتفي معها المنفعة من العمليات المرجو إتمامها، فيتقلص دور المصارف اللبنانية، وتالياً الدور الاقتصادي للبنان.
بيريزوفسكي الذي قضى انتحاراً في لندن قبل شهرين، سرق شركة الخطوط الجوية الروسية، وشركة لادا لصنع السيارات، وشركة نفطية باكثر من ملياري دولار، واستقر في لندن ولم يسأل مرة عن مصدر امواله. ورئيس جورجيا الجديد حقق منفعة تفوق الـ1٫2 مليار دولار من اعمال مشبوهة في روسيا ولم يسأله احد عما يفعل، بل ان الاميركيين يحاولون التقرب منه لانه يعتبر مقرباً من روسيا ورئيسها.
لبنان الصغير، والمنفتح، والنشيط بمبادرات ابنائه يستحق الرعاية اكثر من التهديد، وربما في معرفة السفير الاميركي الجديد بالشؤون اللبنانية ما يدعو الى بعض التفاؤل.