
كتب فادي عيد في الجمهورية
يدور نقاش مُحزِن في الحلقة العونية الضيقة يتناول في العمق خيارات “التيّار الوطني الحر” الاستراتيجية منذ عودة زعيمه النائب ميشال عون من منفاه الباريسي إلى لبنان وحتى اليوم، وذلك في تحديد حقيقيّ وصريح وعنيف لبعضهم حيناً حول ما آل إليه الوضع العوني خصوصاً، والمسيحي عموماً، نتيجة خيارات التيار الإستراتيجية منذ ذلك الحين.
جدولت قيادات بارزة شاركت في هذه الخلوة الأرباح والخسائر وفق الآتي:
“- تمكّن التيار بفضل انفتاحه على النظام السوري وترابطه الإستراتيجي مع “حزب الله” من حصد مجموعة مقاعد نيابية ووزارية إضافية، كذلك حصد تقدّماً لا بأس به على صعيد توظيف إدارات الدولة في الخدمات الشخصية التي حُرِم منها معظم أركانه لردحٍ من الزمن.
– تمكّن عون، ولو شكلاً، من ترؤّس أكبر كتلة نيابية مسيحية، ولو احتوت ودائع سياسية على الطريقة السورية في زمن الوصاية، وتمكّن أيضاً من لعب دور المحور رغبةً أو رهبةً، في حماية حزب الله وسوريا من أيّ اتّهام سياسي، اثر الجرائم التي صفعت كيان 14 آذار، وصولاً إلى تسخيف محاولة اغتيال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع وإهمال محاولتي اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الياس المر والزميلة مي شدياق، ما ساعد في خلق الشكوك وتضليل الرأي العام، وتخفيف وطأة الاتّهام عن سوريا والحزب في الوقت نفسه، لكنّ هذه الإمكانات التي يملكها عون وتساعده في تحريك الرأي العام، لم تعد ذات أولوية لدى “حزب الله”، ولم يعد يهتمّ بالتالي أو يحتاج إلى تغطية سياسية مباشرة نتيجة غرق التيار في المستنقع المالي لفريق 8 آذار، وترابطه معه عبر شبكة مصالح متنافرة حيناً أو ملتقية في أحيان عدة.
كما لم يعد الحزب يهتمّ لتغطية وزير الإتصالات له في مجال الشبكة الهاتفية غير الشرعية التي مدّها فوق الخطوط الشرعية للهاتف، أو في حجب “داتا” الإتصالات كوسيلة تدليلية على الجرائم… لذلك فقدَ عون والتيار أهمّيتهما، أو بالأحرى أولويتهما لدى الحزب، لكنّهما لم يفقدا ضرورة أن يبقيا في خانته”.
وتضيف هذه القيادات العونية “أنّ حركة عون “المريبة” في نظر الحزب، سواءٌ في محاولة التفلّت من أصفاده عبر الإنفتاح “المصطنع” على السعودية، أو عبر وصله مع جعجع لأكثر من زيارات أربع، هذا الوصل الذي لا يسامح عليه الحزب ولا يسامح عليه النظام السوري منذ فترة حكمه للبنان، وعلى رغم من إصرار الوزير جبران باسيل، على إحضار نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي معه منعاً للإلتباس، إلّا أنّ خطوة الإنفتاح على جعجع هي “جريمة موصوفة”.
أمام كلّ ما تقدّم من عرض مقتضب لخلوة طويلة من الأرباح والخسائر، تسأل القيادات العونية نفسها: “ماذا جنينا من التفاهم، وماذا جنى التفاهم منّا؟
لتأتي الإجابات حاسمة، نحو تأكيد أنّ التخلّي عن مبدأ السيادة لمصلحة تغطية النظام السوري لم يكن بحجم الثمن، والتخلّي عن التحالف الإستراتيجي مع “14 آذار” وتعويم حلفاء سوريا من رئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية إلى الحزب “السوري القومي الاجتماعي” وسواهما على حساب “14 آذار”، كان مضرّاً جداً وندفع ثمنه اليوم أكثر فأكثر، والتخلّي عن الحكومة بعد حرب تمّوز لمصلحة الإعتصام لسنتين عجاف في وسط المدينة لما في ذلك من تدمير إقتصادي واضح ارتدّ سلباً على مبادئ التيار وعلى التقدّم في المواقع لأنّ ما زرعناه مع “8 آذار” حصده عماد آخر هو الرئيس ميشال سليمان”، على حدّ قول هذه القيادات التي تنتهي إلى الخلاصات الآتية:
“ـ الأولى، أنّ أيّ استثمار خارج البعد السلطوي الآني، لا يمكن أن يجنيه التيار ورئيسه بل عكس ذلك.
ـ الثانية، أنّ أيّ قانون انتخابي لا يخدم “الثنائي الشيعي”، لا يمكن أن يمرّ ولو تحوّل في غفلة مصلحة للتيار، والدليل واضح هنا:
– عون يرفض القانون “الأرثوذكسي”، ويعتبره غير ميثاقي، ثمّ يوافق عليه ويأتي بموافقة حلفائه الذين يرفضون “الأرثوذكسي”، إنّما يريدون إحراج جعجع.
– يوافق جعجع فيُحرَجون، ويعملون على إسقاط “الأرثوذكسي” وأيّ تصحيح للتمثيل المسيحي.
– ينجح جعجع في إقناع حليفه تيار “المستقبل” والحزب التقدّمي الاشتراكي بقانون ميثاقي (نسبي مع اكثري) ويصحّح التمثيل، فيقفلون مجلس النوّاب عن التصويت ويمنعون تصحيح تمثيل المسيحيين.
ـ الثالثة، سقوط خيار عون عبر حلفائه في تعيين قائد جديد للجيش.
ـ الرابعة، إنّ تماسك التكتّل النيابي هو مهيض بكامله.
ـ الخامسة، أنّ إعادة النظر في الرهانات الحالية، على رغم تعرّي “حزب الله” أوروبّياً وعربياً، قد تكون كلفتها أكبر، وتحتاج إلى تريّث، وحتى إشعار آخر “عَضّوا عالجرح”.