فكرة تأبيد السلطة من شأن الاستبداديين الذين يسعون بالنار والحديد الى تحويل الدولة والوطن والشعب ممتلكات خاصة لهم. الربيع العربي حطّم هذا السعي، ودحرج مَنْ دحرج من الطغاة. وها هي “تمرد” تعي بنضارة شبابها مخططات الاخوان المرسومة لاجترار “من الأبد الى الأبد” تحت “قبة” إلهية، معصوم تحتها حكمهم وحكامهم… وحزبهم!
ونظن أن حماقة “الاخوان” وتعطشهم الى السلطة كأداة بطش ومحاولة استئثارهم بكل مفاصل الدولة، عجّل سقوطهم قبل أن تسقطهم الثورة الثانية التي ألهبتها “تمرد” ليلبي قرابة 30 مليون مصري هذا النداء، بطريقة قلّ نظيرها في كل الثورات العالمية. “تمرد” قطعت “طريق” “الأبدية” على الاخوان، والشعب المصري حاصرهم، والجيش لحق بهم، وخضع لرغبتهم (وهذا ما نود أن يبقى مستقبلاً!) وها هم الاخوان من ظاهرة “شعبية” تجمع بين الامتداد والتوسع في الفئات والمناطق، الى أقل من حزب شعبوي. ونظن أنه ليس الرئيس السابق هو المعزول (وحده) وإنما الحركة كلها معزولة. وهذا ما يحاولون “نفيه” ورفض الواقع الجماهيري ليحولوا المعركة بينهم وبين الجيش، إضافة الى ترصدهم الشعب الذي خذلهم!
هكذا يلغون كل هذا المد البشري لإسقاط مرسي، ويصورون الصراع بينهم وبين العسكر الذي رحبوا به في الثورة الأولى التي أوصلت مرسي الى الرئاسة، باعتبار أن ما حدث هو مجرد انقلاب. أما عشرات الملايين الذين ملأوا الساحات، فيمكن حذفهم أو كحْشهم وكأنهم “غمامة صيف” ربما مرت أو لم تمر لكنها عَبَرتْ. شيزوفرانيا تذكرنا وما زالت بنظرة الطغاة السابقين الى ناسهم حتى عندما هبوا بثوراتهم الجماهيرية عليهم، ووصفوهم بالقلة المأجورة، والعميلة، و”الكلاب الضالة”. هذا الاحتقار المشترك بين الاخوان وبين الدكتاتوريين للشعب هو من خلائق الطغيان. كأن “الاخوان” لا يريدون أن يروا شيئاً غيرهم، ولا يعترفوا بوجود آخرين، ولا يتصوروا أنه يمكن أن يكون هناك من يتصدى لهم، أو يعارضهم أو يحاسبهم. وحدهم في المرآة المعطوبة، في نرجسياتهم “الإلهية” وفي هلوساتهم “الديّنونة”.
إنهم، اليوم، ما زالوا يعتصمون في “رابعة العدوية”، وفي “النهضة” وكأن لا ميادين أخرى موجودة، أو كأن الميادين الباقية خلت من سواهم. يحملون العصي، والآلات الحادة، والمسدسات، ويُروَّعون الناس، ويهددونهم، ويحاصرون منازلهم ومحالهم، وكأن كل ذلك من ممتلكاتهم الخاصة. وامتداداً لهذين العنفين المادي والرمزي، ها هم وبالتنسيق مع بعض الجهات “الجهادية” و”الإرهابية” يعتدون على الجيش المصري في سيناء، ويغدرون بأفراده ويهاجمون بعض مراكزه، فالإرهاب المُعلن في سيناء، هو الإرهاب المعلن ذاته في رابعة العدوية وفي “النهضة”.. ولا فارق بينهما إلاّ ما تفرضه الأمكنة والجهات والوسائل. قبل يومين فوّضت الحكومة المصرية وزير الداخلية بفض الاعتصام، لأنه بات يشكل “خطراً على الأمن القومي”، ويُهدد باندلاع حرب أهلية، أو بسقوط البلد في الفوضى. هذا هو منطق الاخوان: نحن أو الخراب. نحن أو الموت. نحن أو الجمهورية. نحن وبعدنا الطوفان. وبينما كان المعتصمون في ميدان التحرير يحتفلون بالمفرقعات ويغنون، كان “معتصمو رابعة العدوية” يشهرون الهراوات والسكاكين ويطلقون النار على الناس. مناخان متناقضان يعبّران عن عالمَين لا يلتقيان: العنف والسلم، المجتمع المدني والذهنية الميليشيوية… وهكذا نرى فارقاً جوهرياً بين “حركة تمرد” الديموقراطية، و”تمرد” الاخوان المجلبب بالفاشية. “تمرد” توحي مستقبلاً آخر لمصر، مفعماً بالحرية، والتعدد، والحوار، والانفتاح، والدولة العادلة، والجيش الحامي للمؤسسات والأحزاب والحِراك الفكري والسياسي، و”تمرد” الاخوانية استيحاء لمختلف الإيديولوجيات الشمولية، كالستالينية والنازية، والصهيونية، ومسار الطغاة العرب. “تمرد” الاخوان، استنساخ لزمن مضى، ولتاريخ أسود، عادا بالبلاء والقمع والهزائم على الشعب العربي. وحتى أنه من الظلم اعتبار هؤلاء امتداداً لبعض “الفرق” والاتجاهات الإسلامية السالفة… التي أسّست بعضها على الرغم من كل شيء، دولاً قوية، مزدهرة، وحركات ثقافية غنية… فربطهم بسلفيات ماضية ظلم لتلك السلفيات. فهم، أي الاخوان، “ظاهرة” طلعت في عمقها من التحولات التي أفرزتها الحداثة الغربية، ومن النماذج الاستبدادية الأوروبية، خصوصاً في القرون الوسطى، في أزمنة “محاكم التفتيش”، وانحراف “الكنيسة” عن أدوارها الإيمانية. ونظن أن الاخوان صبغوا تأثراتهم بهذه الظواهر الغربية بقشرة “إسلامية” لا علاقة للإسلام بها. قشرة “سَمّكوها” بالإرهاب، والاغتيالات وببعض “الطقوس” البرانية، وبشراء الناس بحاجاتهم اليومية، واستغلال الفقراء، وكذلك المستويات في عمليات غسل أدمغة، نجح فيها “أسلافهم” النازيون وغوبلزهم، و”الستالينية” و”جدانوفها”…
استمرار وجود الاخوان في رابعة العدوية “والنهضة” وبالشعارات المرفوعة “طلب الشهادة” (أعلنها الرئيس مرسي)، أو “رفع المصاحف” أو الكعبة أهون من إسقاط مرسي (مرشد الاخوان)، أو “رفع الأكفان”… كلها نذائر لا تمت لا الى تقاليد الشعب المصري، ولا لأخلاقه، ولا لتاريخه، وعلى من يشهرون المصاحف؟ على شعب عُرف بإيمانه، وعلى أكثرية ساحقة منه معروفة بإسلامها؟ ألم يعد من إسلام سوى “إسلام” الاخوان. أهم البداية والنهاية، “أترى بدأ الإسلام معهم، ويذهب معهم”؟ أترى هم الذين نصبوا “الكعبة” التي يعود وجودها الى أكثر من 2000 عام؟ أترى هم من علقوا عليها “ستارها”؟ وإذا “هُزموا” تهدمت وتهاوت؟ كأنما الرئيس مرسي ورئاسته في السلطة، وضرورة استدامتهم هي “رسالة” “نبوية” أو “إلهية”، بل كأن القرآن لم ينزل إلاّ من أجلهم، تحديداً. بل كأنهم تيمناً مع مفهوم “شعب الله المختار” (عند اليهود) يعتبرون أنفسهم حزب الله المختار الذي لا يعود إلا لهم إنقاذ الدين الحنيف؛ من أهلهم، والمصريين، وكل من يعاديهم. أترى الـ30 مليون مصري الذين عصفوا بالميادين والمُدن هم “أعداء الله” فحقّ لهم أن “يطلبوا الشهادة” ليطهروا مصر منهم! نتذكر هنا قول هتلر المشهور في عز هيمنته “الرايخ ستستمر ألف عام”، لكنها هزمت بعد سنوات عدة. (عودة الى نظرية من الأبد الى الأبد). هذا الجنون “المعياري”، المتصل بالقيم الإنسانية والدينية، قادهم الى تنصيب أنفسهم “قضاة” أرضيين باسم السماء. ولو راجعنا “أدبيات” الاخوان، وممارساتهم، لوجدنا هذا الفراغ الفكري المهول، وهذه “الوثنية” المبطنة، وهذا الجنوح الى اختزال كل خلائق الناس، ومعتقداتهم وآرائهم، وهذا الاستغلال المُعيب للناس وللقمتهم، ولفقرهم، وطيبتهم، بجعلهم “ذبائح” تفرش أمامهم في طريقهم الى السلطة. وهنا تساءل المصريون بعد عام من تسلّم مرسي مقاليد الحكم: ماذا قدّم هذا الرئيس المخلوع لهم: محاولة إلغاء مبدأ المساواة بين المرأة والرجل؟ فكأن هذا المطلب صُلب برنامج عملهم، ومحور هواجسهم، و”عقدهم النفسية”، واحتقارهم التاريخي للمرأة، التي أظهرت أنها شريك أساسي في المجتمع وبناء الوطن. وماذا بعد؟ لا شيء: تلاعب بالدستور. انهيار الاقتصاد. تراجع الوتيرة الانتاجية. تأليف ميليشيا لردع كل من يعارضهم. إخضاع الرئاسة المصرية لنزوات المرشد محمد بديع. مصادرة المنابر الثقافية، وتحويل دورها الإنمائي، والفني، والإبداعي، والمبادرة الى محاكمة بعض المثقفين والفنانين على ماضيهم أو على مواقفهم السلبية منهم (كعادل إمام)، وماذا بعد؟ لا شيء سوى محاولة تفتيت الدولة باستيعابها. وتحجيم قدرات الجيش. تقسيمه ومحاولة تعطيله واختزال الحكومة ببعض رموزهم. وإلغاء دور مجلس الشعب (كما كانت الحال مع مبارك). إن أهم إنجازات مرسي على امتداد عام تتلخص بعدم إنجازه شيئاً سوى العمل على “أخونة” كل شيء. الإعلام. التلفزيونات. الصحف. الدستور. الانتخابات، ومع هذا، ها هم يدعون “شرعية” الصناديق، وينفون شرعية الناس. أترى هل راجع هؤلاء مسار حكمهم على امتداد عام؟ لا! لأنهم فوق كل مراجعة. أترى حاولوا تحديد أخطائهم، لتصحيحها؟ لا! لأنهم من “جبلّة” الأئمة، والآلهة… معصومون عن الخطأ. طيّب، هل استرجعوا قليلاً أسباب تراجعهم الشعبي الكبير، وانفضاض أعداد كبيرة عنهم؟ لا! فهم دائماً على حق… والجماهير إما مضلّلة أو ما زالت الى جانبهم. هل حللوا أسباب هذه العُزلة الجماهيرية، والمدنية، في المدن والأقاليم، ليبقوا وحدهم “ضد الجميع”. هل بحثوا لماذا “انفرقعت” عنها حتى بعض التيارات الإسلامية كـ”حزب النور”، أو حتى بعض الفئات المدنية “كـ6” أبريل التي انتخبت مرسي؟ لا! فهذه الأمور خارج منظورهم. أكثر! هل حاولوا استدلال لقاء الجيش و30 يوليو، بعدما التقوه ورحبوا به بعد الثورة الأولى؟ أكثر هل تساءلوا: لماذا أيّدت أكثرية المصريين الساحقة دور الجيش في حسم الأمور ورسم خارطة طريق… فالتفّت حوله، وحول الجماهير المليونية، فخلفتهم وراءَها، ولا صريف أسنان، ولا اعتذار، ولا وعود بتصحيح المسار، ولا عودة عن خطأ، ولا استعداد لمشاركة في السلطة، أو لإنقاذ البلد، والعباد؟ أيظن الاخوان أنهم، ومن خلال استنجادهم بإرهابيين جهاديين، للاعتداء على الجيش المصري، وأفراد الأمن، والتلويح باختيار طريق الدم بدلاً من خارطة طريق يجمع عليها المصريون، قادرون على استرجاع دورهم الفاعل في المجتمع المصري، أو إعادة مرسي الى الرئاسة؟ إنها ذهنية القوة. القوة المادية. العنفية. في غياب فكر سياسي واضح. ذلك، وبغياب هذا الفكر السياسي الذي يتحرك ضمن المتطلبات الديموقراطية، وضمن أطر التعددية، وضمن قيم “تداول السلطة”، ومن خلال الاعتراف بأن الاستئثارية لا تصنع لا نظاماً ولا دولة ولا جيشاً.. أترى يمكن لهؤلاء أن يروا “الواقع” الجديد الجديد.
أترى لم يفقهوا بعد (وهم أضعف الفقهاء والاجتهاديين) أن زمناً جديداً قد بدأ؛ وتاريخاً آخر للشعب العربي افتتح عريضاً، وأسقط خلفه عقوداً من الاتجاهات الغيبية والشمولية والأحادية بسقوط الدكتاتوريات؟ فلماذا يظنون إذاً أنهم قادرون على استنساخ تجارب هؤلاء الديكتاتوريين (العلمانيين؟) بطبعة “إسلامية”، وما الفارق بين ديكتاتورية صدام والقذافي وعلي صالح وبن علي وبشار الأسد، وبين كل من يغيّر شعاراتهم ويتماهى بطغيانهم!
يقبع الاخوان حالياً في “رابعة العدوية” و”النهضة” كمن يقبع في نفق مظلم. مسدود. لا أمامه ولا وراءه… بينما تسير الأمور من دونهم. يكمل التغيير مسيرته. وهم يقتدون بغبائهم وصَلَفهم وحماقتهم ونرجسيتهم وانفصامهم.
هم باتوا في خلفية بعيدة، ومصر قطعت أشواطاً أمامية هائلة بثورتها الثانية.
فهل يستدرك الاخوان ويعوضون عما فاتهم، وينخرطون في نسيج الشعب المصري، المدني، والتاريخي، أم يختارون البقاء خارج التاريخ. بل خارج مصر. وخارج الشعب المصري! وخارج الشعب العربي!