كان متوقعاً أن تتلاحق الردود على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ولم يُفاجأ لا هو، ولا المقربون منه بالفرز الحاصل في المواقف. وما كان لافتاً هو أنّ فئة واحدة لم ترَ أنّ القصر كان مستهدفاً، حتى أنّ المصادر العسكرية التي فسَّرت لها خريطة طريق الصاروخين تفرَّدت، فقالت إنها استهدفت مواقع عسكرية. لماذا؟
كانت المراجع المعنية ودوائر قصر بعبدا، تنتظر ردود فعل مختلفة على الخطاب في شكله ومضمونه وتوقيته. وكانت تنتظر هجوماً عنيفاً من اسماء ومواقع وصفات يشغلها من هم على لائحة المتبرعين بالدفاع عن محاور ومواقف أبعد من لبنان ومصالحه، فور انتهاء رئيس الجمهورية من إلقاء عبارة “عشتم، عاش الجيش عاش لبنان”. لكنها لم تكن تنتظر رداً على الدعوة الى الحوار في الإستراتيجية الوطنية ومن اجل الحكومة، بهذه اللغة الصاروخية.
وعلى رغم هذا الشعور المسبق، فقد تريَّث المعنيون في إبداء رأيهم بوجهة الصاروخين من مصدرهما الى هدفهما، حتى حسمت التقارير العسكرية أنهما انطلقا من إحدى تلال عرمون في اتجاه قصر بعبدا، فزالت غيمة الشك التي ظلّلت الروايات السابقة، وساد اليقين انّ المستهدَف لم يكن حدائق القصور او حفلاً في نادي الضباط كما روَّج البعض عبر وسائل التواصل الإجتماعي بل كان المستهدف قصر بعبدا.
في هذه الأجواء، حرصت دوائر القصر على تأكيد انّ رئيس الجمهورية قرّر منذ اللحظة الأولى عدم الرد على ايّ موقف كان، ومن ايّ مصدر كان وعلى ايّ مستوى. ذلك انه لم يرغب يوماً بمثل هذا الجدل منذ أن تولى مواقع المسؤولية، فهو يرفض أن يستدرجه أحد الى ساحة لا يريدها لا في الداخل ولا الخارج. لكنه وفي قرارة نفسه، تساءل عن النية من تفسير بعض الأوساط المعنية كلامه اكثر من غيرها، وهو لم يأتِ بجديد. وكان على العارفين بحقيقة المواقف التي لا تتبدل بين صبح ومساء الّا يفاجأوا بموقف الرئيس، الذي نادى في اكثر من مناسبة بعدم التدخل في أتون الحرب السورية منذ ما قبل ولادة “اعلان بعبدا” على طاولة الحوار.
ولمَن تخونه الذاكرة، كان عليه أن يستذكر قبل الإستهجان والتعليق، مضمون رسائل سليمان الى الأمم المتحدة والجامعة العربية، وكيف خاطب الإتحاد الأوروبي عندما كان يناقش إدراج “حزب الله” على لائحة الإرهاب. وما قبل هذه المناسبات وما بعدها، ألا يستذكرون كلامه في عرسال عندما تفقدها بعد الإعتداء على الجيش؟ وهل نسوا مضمون خطاب حفل التخرج في اليسوعية قبل ايام قليلة عندما قال ما معناه انّ “المقاومة” التي كانت في صلب البيان الوزراي من ضمن “الثلاثية الذهبية”، تركت الجيش والشعب وراحت وحيدة الى القُصير من دون إستئذان أحد أو علم من احد أو موافقته.
والى من ينتقدون المضمون، ألا يعلمون ما قصد الرئيس في ابلاغه الى قيادة المقاومة يوماً على قاعدة “من الفم الى الأذن”، عندما طلب لقاء كبار المسؤولين فيها ليتبلّغوا رسائل واضحة وصريحة قيل فيها ما قيل في خطاب عيد الجيش. والى من ينتقدون المناسبة، ومن على منبر عيد الجيش، ألا يستحق الجيش الذي يدّعي الجميع دعمه أن تكون حصرية السلاح في عهدته، وما دونها لا سلاح من دون إستراتيجية دفاعية تحدد الأدوار والأحجام.
والى من ينتقدون التوقيت على مسافة ايام من وضع جناح “حزب الله” على لائحة الإرهاب، اليست مناسبة ليقال إنّ هذه المواقف تحمي المقاومة وسلاحها كما لبنان، لئلا يذهب ضحية حرب المحاور التي تطحن الشعب السوري؟
والى الخائفين من حكومة حيادية، ما الذي فعلوه لتأليف حكومة وحدة وطنية لا يغيب عنها أحد، وما زال رئيس الجمهورية متمسكاً بها الى اللحظة، وهل تؤلّف بالشروط التعجيزية التي تعيق الولادة الطبيعية؟
والى من يرغب برحيل رئيس الجمهورية قبل نهاية الولاية، ألا يجدر به أن يناقش في المواقف والإستراتيجيات قبل ان ينحو نحو الشخصي والعائلي والبلدي قبل الشأن العام؟
والى من يرغب بتوجيه الرسائل بالصواريخ، ألا يدرك هذا “الذكي” و”المحنّك” أنّ من يستهدفه أمضى العمر في الخنادق وتحت القذائف والصواريخ، لا يخشاها بعدما ألِف الخطر وهو يوجه الدعوة الى الحوار اليوم، بلا مهادنة ولا مداهنة، ولا صفقات من تحت الطاولة ولا فوقها وهو يعرف البديل عنه فلماذا التردد في الجواب؟!