غريب هذا المنطق. كلما تحدث أحد عن معضلة السلاح غير الشرعي، فهو يشن حرباً على “حزب الله”.
يشكو رئيس الجمهورية من “إزدواجية السلاح الشرعي وغير الشرعي”، فُيتهم بأنه يعلن حرباً على “حزب الله”. يفند الرئيس سعد الحريري مخاطر السلاح غير الشرعي، فيتهم بأنه يعلن حرباً على “حزب الله”.
في الواقع، إذا كان ثمة من يعلن الحرب على “حزب الله”، فهو سلاح “حزب الله”، الذي يريدونه أن يبقى سلاحاً غير شرعي، غصباً عن فئة كبيرة من اللبنانيين.
بهذا المعنى، يخطئون عندما يحللون أن الحريري لم يجد أفضل من سلاح “حزب الله” وسيلة لتعبئة جمهوره وتحريضه. جمهور سعد الحريري لا يحتاج إلى تعبئة أو تحريض، ممارسات سلاح “حزب الله” تكفي وتزيد لألف تعبئة، ولمليون تحريض، من دون أن يضطر الحريري لقول أي كلمة حتى.
لكن رئيس “تيار المستقبل” قال كلاماً بالغ الأهمية، ولا تستقيم قراءته من دون التوقف ملياً عند “مفتاح” الخطاب الذي قال في بدايته:” نحن لا نهوى مناصبة “حزب الله” أو أي طرف لبناني العداء، بل إننا نتطلّع الى اليوم، الذي تستقيم فيه العلاقات بين الإخوة وأبناء الوطن الواحد، ونلتقي على كلمة سواء في دولة حقيقية تحكمها المؤسسات الدستورية، ولا تعلو فيها أسلحة الطوائف على صوت الشرعية”.
ليس هذه الكلام بجديد على سعد رفيق الحريري، بل هو نقطة في بحر “اليد الممدودة” و”الكلمة الطيبة” و”المصارحة والمسامحة” و”سما لبنان بتجمعنا”. لكن ما ذنب الحريري إذا كان “حزب الله” لم يتلقف كل هذه المبادرات، ولم يتطلع يوماً إلى اليوم الذي تستقيم فيه العلاقات بين الإخوة وأبناء الوطن الواحد، بل دمر هذه العلاقات بسلاحه الذي كان دائماً، ولا يزال، مستعداً للاستخدام ضد اللبنانيين، في “حروبه العبثية” و”أيامه المجيدة”، وما بينهما من “تخوين” و”غزوات” و”عراضات” لباسيج “القصمان السود”.
الحريري لا يشن حرباً على أحد حين يقول الحقيقة بكل صدق وصراحة. أصاب بقوله: “نبتة الاحتقان التي زرعت في 8 آذار، تحوّلت إلى شجرة خبيثة في 7 أيار”. والمؤسف أن هذه الشجرة لا تزال تثمر خبثا.
“الخبث” سيد الموقف في كل شيء، في الدعوة إلى الحوار، في الدعوة إلى عودة سعد الحريري، في القتال في سوريا، على أساس أن “طريق تحرير القدس يمر بتحرير القصير”، أو بالدفاع عن نظام الأسد. واستطراداً، فقد تحررت القصير، والسؤال البديهي أين “حزب الله” الذي لن يتخلى عن فلسطين من تحرير القدس؟ أو أنه ينتظر الاستراتيجية الدفاعية؟
فهل توقف “الخبث”، أم أنه يسجل اليوم أعلى درجاته، بعد الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله الذي سبق خطاب الحريري؟
“مسؤولية” خطاب الحريري أنه يحاكي كل شاردة وواردة في الحياة السياسية الداخلية، وما يحيط بها، بالأسباب والنتائج والحلول. أما “خبث” خطاب نصر الله فإنه لا يحاكي شيئاً منها، بل يهرب منها دائماً.. إلى فلسطين، عنوان هروبه الدائم.
“مسؤولية” خطاب الحريري أنه يطرح مبادرات “هادفة” تلاقي مواقف كل المسؤولين الساعين لتأليف حكومة تعمل لأجل الناس، ولإنتاج حلول “تعيد الاعتبار للدولة ويؤكد حصريتها في قرار امتلاك واستخدام السلاح”، و”خبث” خطاب نصر الله أنه عادةً ما يطرح مناورات لـ”تقطيع الوقت”، ويتجاهل كل مواقف المسؤولين، وفي مقدمها مواقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ويعطل تأليف الحكومة العتيدة لأنه يريد حكومة تعمل لأجله وتغطي غرقه في سوريا، وآخر ما يهمه الناس.
بين “المسؤولية” و”الخبث”، مشروعان مجنونان، المشروع المجنون الذي يمثله الحريري و”تيار المستقبل” مع الدولة، والمشروع المجنون الذي يمثله “حزب الله” بمقاومة الدولة، الفيصل بينهما، ما قاله الرئيس الحريري لجمهور “تيار المستقبل”:” “مرّت على لبنان مشاريع سلاح كثيرة لبنانية وغير لبنانية (..) ولكنها سقطت كلها وبقي مشروع الدولة وحده صامداً”.