#adsense

بين الخطاب والصواريخ على بعبدا: محاولة الإجهاز على ما بقي من الدولة!

حجم الخط

أياً كانت الجهة التي تقف وراء الحدث المدان بإطلاق الصواريخ على محيط القصر الجمهوري ووزارة الدفاع، فلا يمكن فصله عن الحدث الجليل الآخر الذي شهدته المنطقة نفسها قبل ذلك بساعات وحدد فيه الرئيس العماد ميشال سليمان ثوابت لبنان الوطنية في ما يتعلق بالدولة والجيش والسلاح ومستقبل الحكم في البلد في المرحلة المقبلة.

ذلك أن أحداً لم يكن ينتظر أن تعلن هذه الجهة مسؤوليتها عن إطلاق الصواريخ، ولا حتى عن رفضها لما تم التأكيد عليه من ثوابت وطنية، أولاً لأنه يعرفها بالخبرة والتجربة، وثانياً لأنه لم يشك يوماً في أن هدفها كان وما يزال دفع لبنان باتجاه الفوضى الكاملة إن على مستوى الدولة والحكم أو على مستوى العلاقات بين طوائفه ومكوناته وقواه السياسية.

من هذه الزاوية، لا تريد الجهة (أو الجهات) المُشار اليها أن يبقى في لبنان ما يسمح بمجرد التفكير بإمكان إعادة إحياء البلد، أو عدم الاحتراب الفعلي بين مكوناته، خصوصاً في المرحلة الحالية. وإذاً، فبعد الحيلولة دون إجراء انتخابات نيابية بما أدى الى التمديد لمجلسه النيابي، ومنع تشكيل حكومة بما أدى الى التمديد في عمر حكومته المستقيلة ودورها المقتصر على تصريف الأعمال، وإفشال تعيين قادة لأجهزته الأمنية والعسكرية بما أدى الى التضحية ببعضهم والتمديد لبعضهم الآخر، تريد هذه الجهة التصويب على ما تبقى من مؤسسات الدولة: رئاسة الجمهورية من ناحية والجيش من ناحية ثانية.

في رأيها أنه لا يجوز أن يُقال، وفي هذه المرحلة السورية (اللبنانية) بالذات، أن هناك دولة في لبنان فضلاً عن أنه ينبغي أن تقوم فيه مثل هذه الدولة، أو أن يُقال إن هناك سلاحاً شرعياً وسلاحاً آخر غير شرعي تجاوز حدود البلد، أو أن يُقال بعد ذلك كله إن لبنان لم يعد يحتمل هذه الازدواجية وبات لزاماً على الفرقاء فيه أن يجدوا حلاً لها أو حتى أن يضعوا حداً نهائياً لها.

لماذا؟، لأن البعض في سوريا، وفي لبنان كذلك، لم يعد يخطر في باله أن يسمع فيه من هذا النوع من قبل مسؤول في الدولة، خصوصاً بعد كل ما شهده لبنان في خلال الشهور الثلاثين التي مرت على الثورة ضد النظام في سوريا… من أحداث عكار والبقاع وبعلبك الدامية، الى لغم طرابلس الموقوت، الى مؤامرة علي المملوك/ميشال سماحة، ومعها إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بالقوة وتشكيل حكومة سوريا إيران “حزب الله”، وصولاً في المدة الأخيرة الى إشراك جنود “حزب الله” في حرب الإبادة الجماعية والتدمير المنهجي التي يشنها النظام في سوريا ضد الشعب فيها.

ذلك أنه لم تعد مقبولة من هذا اللبنان حتى سياسة “النأي بالنفس” التي ذهبت اليها حكومته تلك في خلال الفترة الأولى، كذلك هي الجرأة على إبلاغ الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بانتهاكات الجيش السوري لحدوده واعتداءاته على مدنه وبلداته وقراه، فكيف بالكلام مجرد الكلام على استعادة الدولة وتصنيف السلاح فيها بين شرعي وغير شرعي وعمل هذا السلاح خارج الحدود؟.

ثم إذا كان هذا البلد، أو ما بقي منه بالرغم من ذلك، عاجزاً عن تشكيل حكومة وإجراء انتخابات نيابية في موعدها وتعيين قادة لأجهزته الأمنية والعسكرية ومنع الخطف والخطف المضاد بين عشائره واستيعاب مئات الألوف من النازحين السوريين اليه، فكيف يستقيم له أو لأحد من مسؤوليه أن يتحدث عن الدولة أو عن الجيش وسلاحه ودوره أو عن السلاح غير الشرعي فيه؟.

لا تقول الصواريخ التي استهدفت محيط القصر الجمهوري ووزارة الدفاع أخيراً غير ذلك، تماماً كما قالت قبلها مثيلاتها التي أطلق أحدها من منطقة مذهبية (عيتات) باتجاه منطقة مذهبية أخرى (الضاحية الجنوبية) بعد إعلان تدخل “حزب الله” في الحرب في سوريا، بينما ارتطم الثاني الذي أطلق من منطقة مذهبية ثالثة (بلونة) بخطوط التوتر العالي في منطقة رابعة (عاليه) قبل أن يصل الى هدفه في بعبدا.

وبغض النظر عن الفاعل المادي هذه المرة، فاللعبة ذاتها من دون أي تعديل. وغايتها كانت وما تزال منع قيام الدولة من جهة، والدفع بالخلافات بين طوائف لبنان ومكوناته السياسية والحزبية من جهة ثانية باتجاه حرب أهلية فعلية وليس البقاء كما هي الآن في إطار العيش في أجوائها فقط.

وليس من المبالغة في شيء توقع أن تكون الصواريخ التي استهدفت محيط القصر الرئاسي ووزارة الدفاع حلقة أخرى جديدة في سلسلة من العمليات التي قد لا تتوقف عند حد. فالمطلوب إبقاء لبنان أسير الفوضى الداخلية فيه، حيث لا دولة ولا إمكان لإقامتها في وقت قريب، وأسير الحرب الإقليمية والدولية التي يتوهم رأس النظام في سوريا أنها يمكن في النهاية أن تنقذه، وذلك من دون أن يسمح للبنان أو لأي من مسؤوليه والقوى الفاعلة فيه أن يقول كلمة اعتراض واحدة.

وفي هذا السياق، فليست الصواريخ التي أطلقت على ما بقي من الدولة (رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع) سوى جزء من الخطة الموضوعة باتقان، والتي تنفذ للأسف (؟!) بمساعدة مباشرة من بعض اللبنانيين… إن في ما يتعلق بالحيلولة دون تشكيل الحكومة، أو بمنع إجراء الانتخابات النيابية، أو بعرقلة التعيينات في الأجهزة الأمنية والعسكرية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل