#adsense

الحريري.. نزع السلاح أولاً من أجل “لبنان أولاً”

حجم الخط

أطلّ حاملاً همّ لبنان، أطلّ ابن “لبنان أولاً” وأخيراً الرئيس سعد الحريري ليتشارك مع اللبنانيين همومهم ومعاناتهم في فترة عصيبة، زادتها “ثلاثية الصواريخ” التي سقط أحدها على مقربة من القصر الجمهوري توتراً وتشنّجاً. وليست صدفة أن تزدحم الساحة اللبنانية بخطابات السياسيين من الوطنيين، “المجبولين” بقضية استقلال لبنان وحريته وسيادته، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.

لم يكن خطاب الحريري بعيداً لا في شكله ولا في مضمونه، واتّجاه “بوصلته” لم يتبدّل مهما بعدت المسافات، فالحواجز تتكسّر عند أبواب ثورة الأرز والتضحيات كلّها تنبع من مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري لتصبّ في عدالة قوافل الشهداء. اجتمع الحريري بجمهوره، وجمهوره هو كل اللبنانيين الذين لم يحيدوا عن درب ثورة الأرز المغمّسة تجربتها بالدماء، ركّز أهدافه وأتقن تصويبها في خطاب لا مكان فيه للقتل والدمار والبغض والكراهية والتعصّب والتهجّم، وهو خطاب تيار “المستقبل” المنفتح على كل الطوائف والملتزم خطاب السلام والوحدة الوطنية ومواد الدستور.

الحريري كان واضحاً في خطاباته السابقة حول رأيه بالسلاح الخارج عن الشرعية، وفي توصيف الانقلابات والغرض منها، لكنّ الظروف في لبنان هذه المرة تبدو أكثر عسراً من الماضي، والرسائل الصاروخية التي تلقاها رئيس الجمهورية في بعبدا يمكن أن تطال، معنوياً، كل رجل سياسي وطني يسيّره ضميره الوطني حين يُظهر أنه قارئ مبدع في ما بين سطور القانون والدستور ومجريات الديموقراطية ومصائر الأنظمة “المتعفّنة”.

الحريري، من تلك “الطينة الطيّبة” التي لا تتعب من الدعوة الى الحوار، إذ كلّما أوصد المرتهنون للخارج أبواب السلام والحوار، وفتحوا “طاقة” الفتنة على ثقافة القتل والاقتتال والدمار، وجد سبيلاً ليشرّع بوابة أخرى منادياً بالوحدة والعمل للصالح العام. والحريري ابن بيئته، أي البيئة اللبنانية الخالصة الذي يبدّي المصلحة الوطنية على كل مصلحة. لذا، وفي لفتة جريئة ونبيلة، دعا الى أن تخرج كل القوى السياسية من الحكومة وتترك مكاناً أو مَنفَساً لمراعاة أوضاع الناس الاقتصادية والاجتماعية ولتسيّر أمورهم الثقافية والتربوية والمعيشية اليومية وتذليل كل العقبات التي تحول دون امتلاكهم حقّ العيش بكرامة وإنسانية.. وهذا أقل ما يمكن أن تقدّمه حكومة لمواطنيها.

وفي زمن الدعوات الممانعة الى التحريض على شتم الخصوم والفتنة الطائفية والانقلابات الدستورية، خرج الحريري على “مألوفهم”، تماماً كما كان يسجّل للوطنية نقاطاً في مدرسة والده، وكما عهده اللبنانيون موحّداً بين كل الطوائف، لا يميّز بين مسيحيين ومسلمين لأنه مؤمن بأن لبنان لا يخلص إلا باتّحاد المسلمين والمسيحيين. والحريري ليس “متعلّقا” بـ”كرسي الخلاص”، بل ترك المهمّة الإنمائية، كما مفترض بها أن تكون، لرئيس الحكومة المكلّف ليختار من يراه مناسباً.

في الواقع، وحده السلاح غير الشرعي يشكل “دخيلاً” في البلد، خصوصاً وأنه قد بات اليوم لا يساوي أبسط الكماليات، لأنه لا يجلب للبنان سوى الدمار ولا يعمل إلا في إطار عزله عن محيطه وعن العالم بأسره، وجلّ ما يحتاجه البلد اليوم هو أن يكون أسير مواطنيه وعلى علاقة طيّبة بجيرانه. فالحريري يعلم أن ليس هناك ما هو دائم، لأن كل شيء زائل إلا الدولة بمؤسساتها، والحفاظ عليها هو من مهمّة أبنائه وكل مَن حمل راية الدفاع عن حدوده، من دون أن يتخطّى حدوده، وكل مَن ردّد مع جبران تويني قسمه العظيم من دون أن يقسّم، ومن هتف مع سمير قصير “عسكر على مين” من دون أن ينشر معسكراته غير الشرعية على أراضي لبنان وخارجها، وكل من صرخ مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بأن “ما حدا أكبر من بلدو”.

أكّد الحريري غروب يوم الجمعة أن وطنه أكبر من الجميع، لأنه أراده دوماً أن يتّسع للجميع، ويضحوا بحياتهم فقط من أجل الذود عن حدوده.. أراد وطناً حقيقياً يحميه مواطنون حقيقيون مقتنعون بأن العيش في لبنان يحتّم الوفاء له وإلا بات الإنتماء للوطن على الأوراق الثبوتية مجرّد حبر على ورق. أكثر من كل ذلك، فإن الحريري أبدى استعداده لتخطي الذكريات الأليمة بعد اغتيال والده، وكيفية تعامل المفتنين مع أبناء بيروت، وما بعد الانقلاب ومفاعيله، والتمييز بين مواطنون درجة أولى ودرجة أخيرة.. يمكن تخطيها من دون نسيانها، لأن اللبنانيين باتوا يعيشون أيامهم “يوماً بيوم”، حذرين حتى وهم بين جدران منازلهم، متيقّظين إذا تخطوا “حدود” منطقة ما.. وحدها الوطنية لا تفرّق، ولن تفرّق الممانعة ما جمعته الوطنية!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل