
هذه الأسئلة دهمت بيروت امس غداة مواجهة المنابر ومبارزة السقوف العالية التي جرت بين الرئيس الحريري والسيد نصر الله والتي عكست في جانب منها عدم واقعية الرهان على تقارُب ايراني – سعودي يتيح “عزل” الواقع اللبناني عن الأزمة السورية في ظل استمرار انغماس “حزب الله” في الحرب السورية وعدم استعداد “المستقبل” لتقديم تغطية سياسية لهذا التورّط في الحكومة ولا العودة الى حوار حول سلاح “حزب الله” يقرّ له بحق مواجهة اسرائيل او الدفاع عن لبنان في وجهها بمعزل عن الدولة.
والواقع ان “جمعة الخطَب” حملت أوضح اشارات الى ان لبنان واقع في قلب الاشتباك الاقليمي والدولي حول سورية وان الفصل بين مسارهما شبه مستحيل، ما يضع المرحلة المقبلة بين حدّيْ إما استمرار “ستاتيكو” التوترات “الموْضعية” من ضمن حال المراوحة الحالية القائمة على “تصفيحط الاهتراء السياسي في انتظار اللحظة المناسبة لاستثمار هذا الانسداد من اللاعبين الاقليميين سواء في الملف السوري او في الواقع اللبناني وتوازناته، وإما انفلات الأمور وانزلاقها الى ما هو أدهى في ضوء ارتفاع منسوب الاحتقانات والانكشاف الامني والضغوط المالية والاقتصادية المتعاظمة نتيجة تعطيل عمل البرلمان و”اليد المشلولة” لحكومة تصريف الاعمال.
والواقع ان يوم المنابر بين الضاحية الجنوبية لبيروت وجدّة حيث يقيم الحريري حمل مفارقات ودلالات استثنائية في الشكل والمضمون أبرزها:
* ان تعمُّد نصر الله كسر التحوّط الامني ليخاطب جمهوره المحتشد في الضاحية الجنوبية لبيروت لاحياء مناسبة “يوم القدس” على مدى أكثر من اربعين دقيقة مباشرة عن منبر خشبي، عكس الاهمية التي يعلّقها “حزب الله” على تعبئة جماهيره، علماً ان ظهور الامين العام للحزب بين مناصريه هو السادس منذ نهاية حرب 2006 مع اسرائيل لكنه كان هذ المرة الأطول.
وبدا واضحاً ان نصر الله الذي يواجه حزبه المزيد من العزلة العربية والدولية نتيجة مشاركته في الحرب السورية، أراد شد عصَب جمهوره من خلال خطاب غير مسبوق غلب عليه “فائض التعبئة” الشيعية، والتي بلغت حد اعلانه صراحة “اننا نحن شيعة علي بن أبي طالب، لن نتخلى عن فلسطين، ولا عن شعب فلسطين… قولوا رافضة، قولوا إرهابيين قولوا مجرمين، قولوا ما شئتم واقتلونا تحت كل حجر وفي كل جبهة وعلى باب كل حسينية ومسجد،… نحن شيعة علي، لن نترك فلسطين. وأقول لكل العالم: نحن حزب الله، سنتحمل مسؤولياتنا بمقدار ما يقع علينا من مسؤوليات، ونحن الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري لن نتخلى عن فلسطين والقدس ومقدسات هذه الأمة”، محدداً المواجهة مع اسرائيل كأولوية رئيسية، ومعلناً “شكراً ايران وسورية” في موازاة هجوم على دول الخليج وإعلامها.
وبينما استرعى الانتباه ابتعاد نصرالله في كلمته عن الشؤون الداخلية ما خلا تأكيد دعمه للجيش، فان كلامه من الموقع الشيعي وتثبيته عنوان فلسطين من باب ان “لا احد في العالم يملك أي تفويض في أن يتخلى عن حبة رمل واحدة من ترابها أو عن قطرة من مياهها” واعتباره “إزالة اسرائيل مصلحة وطنية لبنانية ولكل الدول العربية الاسلامية” اكتسب رمزيته لتزامنه هذه السنة مع استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية في واشنطن، كما عكس ما يشبه عملية ربط جديدة للسلاح بهذه القضية المركزية بعدما طغى الانغماس في الحرب السورية على وُجهته.
* ان الحريري الذي برر غيابه الشخصي عن لبنان منذ اكثر من عامين بضرورات “التزام الحيطة والحذر”، قدّم “جردة” حساب للعلاقة الاشكالية مع “حزب الله” منذ العام 2005 مطلقاً مواقف بالغة التشدد حيال سلاح الحزب باعتباره “اساس المشكلة”، ومبدياً الانفتاح على الحوار بعد تشكيل الحكومة، ومقدماً مبادرة في هذا السياق قاعدتها ان “نضحي نحن وحزب الله فنعزل انفسنا عن المشاركة في الحكومة برئاسة الرئيس تمام سلام كي لا تتفجّر من الداخل وليتم تسيير شؤون الناس” وراسماً “مستحيلات” ابرزها استحالة القبول بصيغة “جيش وشعب ومقاومة”، لأن المقاومة ذهبت إلى سورية وتركت الجيش والشعب في لبنان، واستحالة تغطية “حزب الله” الذي غرق في سورية بالدم السوري.
وفي خطابه الذي استمر نحو 50 دقيقة وأطل عبره من خلال شاشات عملاقة على نحو 20 الف مدعو الى إفطارات أقيمت في كل من بيروت وطرابلس وصيدا واقليم الخروب، وعكار والمنية، الضنية، البترون، وجبيل وكسروان والبقاع الغربي والاوسط والشمالي وعرسال، قدم الحريري ما يشبه “المضبطة الاتهامية” ضد “حزب الله”، عارضاً تطور الخلاف مع سلاح الحزب بعد العام 2005، وسقوط مبادرات الحوار الواحدة تلو الأخرى، بما في ذلك حكومات الوحدة الوطنية وصولاً الى اعلانه ان “سلاح الحزب فقد صلاحيته في مواجهة اسرائيل اذ ذهب للقتال في سورية بعدما تحوّل عقب حرب يوليو 2006 قوة ضغط على الحياة السياسية ووسيلة لترهيب الخصوم السياسيين، والأهم أن هذا السلاح أصبح منذ 2005 موضوع خلاف واسع بين اللبنانيين”.
واذ اكد الحريري أن “لا مخرج للبنان من النفق ومن رمال التوتر والاحتقان الطائفي إلا بغلبة الدولة على فوضى السلاح”، اعتبر ان طالصواريخ التي استهدفت محيط القصر الجمهوري ووزارة الدفاع رسالة ارهابية هدفها النيل من رموز الدولة وإطاحة إعلان بعبدا”، محملاً “حزب الله” مسؤولية جعل الدولة “الركن الاضعف في المعادلة الداخلية في ظل سلاح يعبر يوميا عن فائض القوة”.
وفي حين أكد رفض “أي شكل من أشكال الانتقائية اذ لا سلاح غير شرعي بسمنة وسلاح غير شرعي بزيت”، اكد ان “السلاح والدولة لا يلتقيان” متسائلاً: “ماذا سيفعل حزب الله اذا سقط النظام السوري وطار بشار؟”، وداعيا الى “اتفاق تاريخي يعيد الاعتبار الى الدولة ويؤكد حصريتها في امتلاك السلاح واستخدامه”.
وفي موازاة ذلك، شخصت الانظار على انعكاسات هذا الاصطفاف الحاد على ملف الحكومة في حين لم يكن صدر حتى الى ساعات بعد ظهر امس اي ردّ من “حزب الله” على كلام الحريري ومبادرته. علماً ان الرئيس سلام، الذي جدد زعيم “المستقبل” الثقة به في معرض الردّ على الدعوات من 8 آذار لعودته الى لبنان وترؤس حكومة وحدة وطنية، أكد رغبته بتشكيل “حكومة مصالحة وطنية حقيقية بعيدا عن لغة التحدي والاستئثار والمحاصصة والاستفزاز بالتوافق مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان صاحب المواقف الوطنية المتقدمة التي ما فتئت تستجلب عليه صواريخ الحقد”.
