كثيرة هي المواضيع والملفات التي فتحها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في المدرسة الحربية لمناسبة عيد الجيش، ولم يترك شاردة او واردة الاّ وتتطرّق اليها مباشرة ومن دون قفازات او تجميل او توريات، ما يشير الى وجود عزم وتصميم لدى سليمان للقيام بخطوات جريئة لا بدّ منها لوقف انهيار الدولة ومؤسساتها، وفي شكل خاص مؤسسة الجيش الوطنية، الا أن ابرز المواضيع التي رغب رئيس الجمهورية اعلان موقفه منها، متوجهاً بذلك الى الشعب والسياسيين على السواء، هي مواضيع الامن والسيادة، والديموقراطية، وازدواجية السلاح، وتشكيل الحكومة العتيدة، والحوار، ودور الجيش المركزي، وجميع هذه المواضيع حلقة متشابكة بعضها مع بعض، يجب معالجتها كقضية واحدة، ليصبح للدولة قيمة ومعنى وفاعلية، خلافاً لما هي عليه اليوم.
في تعريفه للأمن والسيادة والكرامة، اكد سليمان ان لا أمن ولا سيادة ولا كرامة من دون الجيش، ونقطة على السطر، وزاد تأكيدا بانه يستحيل على الجيش اداء مهامه مع ازدواجية السلاح، بما يعني انه لا يكفي ان نطالب ونتظاهر وندعو الجيش الى التدخل لحفظ الامن في الداخل وعلى الحدود في ظل ازدواجية للسلاح تعوق قيامه بواجباته، ويرتفع مستوى تصميم سليمان على حفظ كرامة الجيش ودوره، عندما وعد بانه «ولّى الزمن الذي يكون الجيش فيه ممنوعا من الدفاع عن لبنان» اما بالنسبة الى رؤيته لدور الدولة، فان سليمان يرى انه «حان الوقت كي تكون الدولة هي الناظمة الاساسية والمقررة لاستعمال القوة»، وليس هذه الطائفة او هذا الشخص او هذا الحزب، ولم ينس الرئىس العماد في معرض انتقاده الذين لم يلتزموا باعلان بعبدا، من الكشف عن نيّته بالدعوة مجدداً الى الحوار في بعبدا لاعادة النظر في الاستراتيجية الدفاعية، بعد ان تخطّى سلاح المقاومة الحدود اللبنانية، وتفسير هذا القول منطقياً، ان سلاح المقاومة لا يمكن ان يكون مقبولا اذا كانت له نشاطات وامتدادات خارج حدود الدفاع عن لبنان، اما عن عملية تحديث الجيش وتقويته وتسليحه وفق الخطة الموضوعة من قبل الحكومة، فان سليمان يؤكد بأن الدولة لن تنسى متابعة برنامج تجهيز الجيش وتسليحه، ما يتيح له حصرياً، الامساك بمستلزمات الدفاع عن سيادة لبنان وحدوده وثرواته.
****
في الشأن المتعلق بممارسة الديموقراطية وتداول السلطة، واحترام الاستحقاقات الدستورية، كرر سليمان رفضه تمديد ولاية مجلس النواب، ودعا الى العمل الجادّ السريع لاجراء الانتخابات النيابية، احتراماً لارادة الشعب في تجديد الحياة السياسية عن طريق الانتخابات وليس عن طريق التمديد، وهنا لا بد من التوقف وسؤال رئىس المجلس نبيه بري والكتل النيابية، عن الاسباب التي تدعوهم الى النوم، نومة اهل الكهف، بدلاً من متابعة البحث والحوار في قانون جديد للانتخابات، ومن الاستمرار في نكايات تحديد مواعيد لجلسات نيابية لا تعقد.
اما في الشأن الحكومي، فان رئيس الجمهورية، اعلن صراحة انه ورئيس الحكومة المكلف، لن يقبعا طويلا في دوامة الانتظار، بحيث تصل البلاد الى استحقاق انتخاب رئيس جمهورية جديد في ظل حكومة تصريف الاعمال، ورئيس حكومة مكلف، وبالتالي، يجب تشكيل حكومة تحظى بثقة الشعب، وبثقة المجلس في اشارة واضحة منه انه لن يوافق على حكومة لا تؤمن ثقة اكثرية النواب، لتتحول بدورها الى حكومة تصريف اعمال مكبّلة اليدين والقرار.
في نهاية الامر، يمكن القول ان مناسبة اول آب كانت فرصة مثالية امام الرئيس سليمان ليضع الجميع امام مسؤولياتهم، وليقول ما يجب قوله دفاعاً عن الجيش الذي جاء منه، وعن الدولة التي اقسم على حمايتها، وعن الحق والمنطق اللذين ضاعا في غمرة الاحداث الخارجية، والنزاعات الداخلية وارتفاع منسوب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ميشال سليمان قال كلمته قوية مدوية صادقة صريحة، تخزن الكثير من العزم على تنفيذ ما وعد به في المدة المتبقية من عهده، مع معرفته التامة بالصعوبات الطبيعية والاخرى المتعمّدة، فاذا نجح، يسعد لأنه حافظ على الامانة، وان فشل يكفه فخراً انه حاول، لكن الشرّ كان اقوى، وكثيرة هي المرّات التي ينتصر فيها الشر موقتا، لكن ما زرعه سليمان يبقى خميرة للعهود المقبلة.
سليمان وسقف الوطن العالي
المصدر:
الديار