فيما تستعد السفيرة الاميركية مورا كونيللي لمغادرة لبنان نهائياً الى واشنطن منهية ثلاث سنوات عايشت خلالها مجموعة تطورات ابرزها انفجار الازمة السورية في الجوار، لا تخفي امام “النهار” التي خصتها بحديث أمرين: ارتياح لكونها كانت “هنا من اجل الناس الذين اعلم انهم منخرطون في الصراع من اجل مستقبل لبنان”، وأسف لمغادرتها “والانتخابات لم تحصل” الى حد ممازحتها في حفل تكريما لها بانه في حال “لم تجروا الانتخابات فسأعود”.
تغادر كونيللي بنفحة تفاؤل حول لبنان “لا تزال هناك شبكة امان كبيرة”. “فهناك اناس كثر يدركون التحديات الحالية ويحاولون تجاوزها وقد رأينا جهوداً ناجحة خلال العامين الماضيين لعزل لبنان عن تداعيات الوضع السوري من دون تجاهل ما يأتي من مشاكل من سوريا. قاوم لبنان استدراجه الى الصراع السوري وهؤلاء الناس يدركون هذه المخاطر واتخذوا خطوات قدر الامكان للمحافظة على لبنان. لكن النمط المزعج راهنا هو وضع الدستور جانباً لأن اي بلد يجب ان يستند الى مؤسساته التي وظيفتها في نظام ديموقراطي التوسط بين اجندات مختلفة، واذا كانت المؤسسات محيدة فان هناك خطر الانهيار”.
لا تقلل كونيللي من المشاكل التي يواجهها لبنان “هناك حوادث امنية مقلقة وتأثير اللاجئين والمؤشرات الاقتصادية مقلقة اكثر منها سلبية. لكن المشكلة الاكبر ان القادة السياسيين يقنعون انفسهم انهم لا يستطيعون مواصلة المسار السياسي السيادي بسبب ما يحصل في سوريا وهو في الواقع مفهوم صعب لأميركي ان يقبله، اذ ركزت كل الوقت وفي كل خطاب القيته اننا ملتزمون استقلال لبنان وسيادته واستقراره. اعتقد ان على السياسيين اللبنانيين اجراء حساباتهم بناء على ما يريده الناخبون اللبنانيون. فالرئيس سليمان لا يحتاج الي للتعليق على ادائه، لكنه يتجاوب مع هموم اللبنانيين ولا ينتظر معرفة كيف ستحل الازمة السورية قبل ان يدافع عن استقلال لبنان وسيادته واستقراره. اتمنى لو ان الزعماء السياسيين يقتدون به ويدعمونه”. ولذلك “بدلاً من انتظار ما يحصل في الجوار يملك لبنان فرصة للمضي قدماً”. تضيف “انه وقت خطر لا احد يمكنه ان ينكر ذلك، لكن من المهم ان نستمر في دعم هؤلاء الناس الذين يقومون بأفضل ما لديهم لعزل لبنان الى حد ما عما يحصل في سوريا”.
تشكل الشراكة الاميركية مع الجيش نقطة ثقل في العلاقة الثنائية “من اجل بناء قدرته العسكرية لجهة المعدات والتدريب تماماً في موازاة العمل مع قوى الامن ايضاً. “هناك ميل الى الكلام احياناً عن المساعدة المالية فقط وهي مساعدة مهمة وترقى منذ العام 2005 الى مليار دولار. وهي مساعدة مالية كبيرة من الداعم الاكبر الوحيد للجيش. انما الأمر يتعدى ذلك الى العمل عن كثب مع الجيش ومساعدته على تحسين ادائه”. تقول كونيللي “قرأت عبارة لأحد مسؤولي “حزب الله” ان الاميركيين لا يعطون الجيش اي اسلحة مهمة مما يعني ان حتى الحزب يعترف بالدرجة التي يمكن الجيش اللبناني ان ينمو مع شراكتنا. ونحن لا نعد عدد المروحيات او الرصاصات، بل هي الطريقة التي نعمل بها مع الجيش الذي يحدد لنا ما علينا ان نقوم به لمساعدته والقدرات التي يحتاج اليها، ونحن نعمل على انجازها معه. واذا سألت الجيش فهو سيقول بان الشراكة كانت مفيدة ونحن سنتابع ذلك”. وتوضح السفيرة الاميركية “كانت هناك ثغرات لدى الجيش في الاعوام الماضية تمت معالجتها ولم يعد يحتاج الى علاج طارىء، بل اضحى على قدر من الصحة ونعمل على تحسين الامور. هم اناس ملتزمون وجديون ونحن كذلك ولا نستطيع القول ان الجيش يملك كل ما يريده، لكن ما هو مشجع اننا نستطيع ان نحدّد اين لا يزال يحتاج الى مساعدة وهو لديه خطة يتابعها من اجل الحصول على المساعدة”. وعن التمديد للعماد جان قهوجي “لم نأخذ موقفاً من هذا الأمر ولا يعني اننا نعارض او ان لدينا مرشحاً كنا نود ان يتم اختياره. فهذا مسار وقرار لبنانيان ولا موقف لدينا ايضا بالنسبة الى شرعية او دستورية الخطوة. المشكلة التي لدينا هي في التمديد لمجلس النواب، لأنه يحرم النواب فرصة الحصول على رد فعل الناخبين على ادائهم. التمديد للجنرال قهوجي امر مختلف، لكنه في حال البرلمان فهو محبط بعمق لافتقاره الى احترام المتطلبات الديموقراطية”. وهل يمكن ان يسري قبول التمديد على موقع رئاسة الجمهورية اذا فرضت الظروف ذلك تقول كونيللي “اعتقد انه سؤال افتراضي ولا يجب ان نعبّر عن رأينا في ذلك. لكن ما اود ان اراه من وجهة نظر شخصية هو البدء باعداد قانون انتخابي يسمح بتجديد مجلس النواب بسرعة فيعود المسار الديموقراطي الى خطه الاساسي”.
عن القلق الذي ابدته قبيل تعيينها امام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس ازاء سعي “حزب الله” الى توسيع تأثيره على لبنان ، تعرب كونيللي عن اعتقادها “ان الحزب واصل السعي الى توسيع تأثيره وسيطرته على القرار اللبناني. وهو من زوايا معينة قد يزعم انه كان ناجحاً، خصوصاً مع تأجيل الانتخابات. فالانتخابات لم تحصل ومجلس النواب لا يستطيع ان يجتمع والمجلس الدستوري تم تعطيل عمله والحكومة لا تستطيع ان تشكل. فاذا كانت نية الحزب وقف المسار السياسي في لبنان فاعتقد انه يمكنه القول انه كان ناجحا على بعض المستويات. الا انه دفع الثمن باهظاً حتى لو حاول توسيع سيطرته على لبنان، لأنه قوّض سريعاً صدقيته داخل لبنان والآن في اوروبا ايضا”. تضيف “ان فكرة ان عليه ان ينخرط في سوريا لم تكن مقنعة للشعب اللبناني كما قال رئيس الجمهورية في خطابه في عيد الجيش. ذلك ان شرعيته في أعين اللبنانيين انه مقاومة، لكن خوض حرب من اجل دعم بشار الاسد في سوريا ليس مقاومة والكل يرى ذلك. وقراره القيام بعمليات ارهابية في اوروبا كان له تأثير متوقع، اذ ان الاوروبيين صنفوا الحزب وخسارة الصدقية بين اللبنانيين أصبحت ملموسة. والحزب يظهر علاقته الحقيقية مع المسار الديموقراطي، بحيث انه ما دام النظام ملائماً له يعمل من ضمنه واذا لم يجده ملائما فهناك تاريخ من التحركات، من الانسحاب في حكومة السنيورة الى اجتياح بيروت في ايار 2008 او اكثر حداثة التدخل لدى المجلس الدستوري. وهذه الامور تظهر علاقة الحزب الحقيقية مع الآلية الديموقراطية فاذا اعتقد انه حقق نجاحاً فهو قوض صدقيته في العمق”.
وهل نجح النظام السوري في زعزعة الاستقرار في لبنان؟ تقول كونيللي “هناك حوادث امنية مقلقة ولكن الاستقرار في لبنان ككل ليس مزعزعاً. اعتقد ان النظام كان لديه هدف منذ البداية في تحديد الازمة السورية انها بين النظام وقوى خارجية اصولية كالقاعدة او جبهة النصرة. ولعله اعتقد انه يستطيع ان يسقط ذلك على لبنان، كما حاول ان يسقطه اينما كان. ولذلك حاول دوماً ان يفسر بعض الحوادث في لبنان من ضمن هذه الرواية لكن لا اعتقد أنه نجح في اقناع غالبية الناس في شأن طبيعة الازمة السورية. ومحاولة النظام زعزعة الاستقرار كانت خرقاء نوعا ما كما كانت قضية ميشال سماحه التي كانت جهدا في هذا الاطار لم ينجح تنفيذها فانفجرت في وجه النظام”.
عن اعتداء اسرائيلي محتمل حذر منه “حزب الله” بعد تصنيف الاتحاد الاوروبي شقه العسكري “ارهابيا”. تقول كونيللي “ان احد الاماكن القليلة في كل الشرق الاوسط التي اظهرت هدوءا لافتا على نحو كبير هو الخط الازرق منذ آب 2010. ويجب ان نكون شاكرين جداً لقائد اليونيفيل الجنرال سييرا الذي يقود بحكمته القوة الدولية في هذه الفترة الصعبة. لكن الافرقاء انفسهم على الجانبين الاسرائيلي واللبناني قاموا كذلك بكل جهد ممكن من اجل ابقاء الحدود هادئة وقد استخدموا اللقاءات الثلاثية على نحو جيد. ولا ارى في هذا الاطار الظروف تتطور في اتجاه هذا الهاجس”.
في المقابل فان القرار الاوروبي حول “حزب الله” مهم جداً في اطار مختلف واعتقد، تقول كونيللي “انه سيكون له تأثير منتظم، اذ سيصعب على الحزب التحرك في اوروبا علما اننا لم نبدأ بعد رؤية مفاعيل القرار. لكنه قرار مهم ونقطة تحول بارزة في رؤية الاتحاد الاوروبي للحزب ومؤشر اخر على الرؤية الضعيفة لدى الحزب في شأن متابعته العمليات الارهابية في اوروبا”.