هذا الدمج عاطفي وسياسي، ولا يجوز استسهاله، بالاجتزاء، ولا الاكتفاء بتعليق فضفاض من نوع أن حسن نصر الله أخذ يتحدّث مذهبياً، كما لو أنه كان يرطن بـ”المادية الجدلية” حتى تاريخه.
أوّل المحاولة لفهم هذا الدمج الخطير بين ما هو مذهبي وبين ما هو صراع إقليمي، قومي أو حضاريّ، هو أنّه يستند فعلاً إلى تجربة جماعات متشدّدة سنيّة، وبعضها يضم نسبة عالية من العناصر الفلسطينية، فضّلت في الثمانينات من القرن الماضي القتال في أفغانستان ضد النظام الشيوعي وضدّ “الاتحاد السوفياتي” (الشيطان الأصغر في عرف الإمام الخميني)، على القتال من أجل فلسطين، هذا في حين نشأت حركتا “الجهاد” و”حماس” في فلسطين كخيار معاكس اتخذته الحركة الإسلامية الفلسطينية “السنية”، وقادها بالنتيجة للتحالف مع إيران و”حزب الله”.
لكنّ نصر الله اذ ينطلق من هذه الوقائع فهو يعود فينزلق إلى الموقع نفسه الذي يساجل ضده. هو يقول، ما معناه، إن هذه الجماعات “التكفيرية”، أي “التكفيرية للشيعة”، غفلت عن قضية فلسطين، لمصلحة ساحة أفغانستان في الثمانينات، متناسياً توصيف الخميني للسوفيات بـ”الشيطان الأصغر”، وها أن هذه الجماعات تغفل مجدداً عن قضية فلسطين، لمصلحة مقاتلة النظام البعثي في سوريا وتكفير الشيعة.
فما يكون الحل بموجب هذه المعادلة؟ التذكير بأننا “نحن شيعة علي بن أبي طالب لن نتخلى عن فلسطين”، إنما بقصد تبرير استمرار مشاركة الحزب في مقاتلة “التكفيريين” في سوريا، كونهم ابتعدوا عن فلسطين، وكونهم يقاتلون الشيعة، في حين أن نتيجة ذلك أن “حزب الله” نفسه سيكون ابتعد عن فلسطين، أو أدهى، صار يخلط ما بين أعالي الجليل ومنطقة حمص.
لكن خطورة هذا الدمج لا تتوقّف هنا. فحسن نصر الله ليس بعثياً كي يرفع شعار فلسطين في العلن، ويقايض عليه في السرّ… والعلن، بل هو عقائدي يأخذ ما يؤمن به على محمل الجد. هو يريد فعلاً أنْ يحرّر فلسطين، لكنه هذه المرة، حين يستعيد قضيتها بمناسبة يوم القدس العالمي، فهو يستعيدها من وحي “التجربة السورية”: أي كفلسطين مذهبية، فلسطين التي من خلالها سيعيد التشيّع إحياء مركزيته في المجال الإسلامي الشامل.
هنا، يتجذّر الطابع المذهبي للدمج الذي يقوم به نصر الله بين ما هو صراع جماعات سنية وشيعية وبين ما هو صراع عربي- اسرائيلي. في البدء، يساجل نصر الله الجماعات التكفيرية، الغافلة عن فلسطين، لأجل القتال في أفغانستان وسوريا، متناسياً أنه بالنتيجة يغفل عن فلسطين أيضاً فيما هو يغوص في مستنقع التناحر المذهبي في سوريا. ثم حين يعود فيستذكر فلسطين تحت عنوان “نحن شيعة علي بن أبي طالب”، يتجاوز منطق الرد على الجماعات التكفيرية، إلى منطق الرد على كل ظالمي الشيعة عبر التاريخ، وهو ما يستدل من عبارته “واقتلونا تحت كل حجر”، ومن ثم ينطلق من كل هذا، ليساجل مع… صلاح الدين الأيوبي.
ما يقوله حسن نصر الله هو التالي: أنا صلاح الدين الأيوبي الجديد، ونقيض صلاح الدين الأيوبي في آن. ثمة، في هذا، صدى لما نسب الى المستعمر الأوروبي الحديث من قول استفزازي لمشاعر المسلمين “ها قد عدنا يا صلاح الدين”، إنما في سياق آخر: هذه المرة، لن يكون تحرير القدس “سنياً”، بل “شيعياً”، وإذا كان يمكن لمؤرخ كعبد الرحمن عزام أن يكتب سيرة شيّقة لصلاح الدين كشخص قام بإنجازين، استعادة بيت المقدس من الفرنجة وإحياء المذهب السني في المنطقة، بعد فترة تاريخية شهدت ازدهار التشيع، الفاطمي وغير الفاطمي، فإن المراد قوله في عبارة نصر الله “المدمجة” هو: “ها قد عدنا يا صلاح الدين، لنحرّر بدورنا بيت المقدس، وهذه المرة من الصهاينة وليس من الفرنجة، ولإعادة إحياء التشيّع في المنطقة وليس التسنّن”.
لا، لم يكن نصر الله يساجل السنّة المعاصرين له، في لبنان أو في سوريا أو في فلسطين، بقدر ما أن منطق كلامه، يقوده، إلى سجال بهذه الشحنة الرمزية، العاطفية، المكثفة، مع الناصر صلاح الدين.
لقد عرف تاريخنا المعاصر استحضارات أسطورية عديدة لشخصية صلاح الدين، من جمال عبد الناصر إلى حافظ الأسد وصدام حسين. لكننا اليوم أمام الاستحضار المضمر، والأشدّ احتقاناً، والذي، يضمن له منطقه هذا أن يمعن أكثر فأكثر في المذهبية كلّما اعتقد أنه يتخطى حواجزها، وكلّما عاد أدراجه ونطق بها شفافية.