لم يعد خافياً على أحد، أن الوضع في لبنان بات على حافة الانفجار، وأن الكلام المحلي والخارجي عن الاستقرار، يواجه المزيد من التحديات التي تكبر، يوماً بعد يوم، على إيقاع شرارات الفتن المتنقلة بين عكار والبقاع، ومن بيروت إلى صيدا والفيحاء!
ويكاد الاستقرار يصبح «يتيماً» على مسرح الأحداث، في ظل دولة عاجزة، وحكومة في حالة شلل متعمد، بعد العرقلات المعروفة لولادة الحكومة الجديدة، ومجلس نواب معطّل في طوفان الخلافات السياسية، وأطراف حزبية تتسابق في صراعاتها على الهيمنة على الشرعية وأجهزتها الأمنية!
ورغم سواد هذا الأفق المسدود، يحاول اللبناني، المغلوب على أمره، والمبتلى بانقسامات الطبقة السياسية المدمرة، أن يبحث عن ثغرة ما، في الحائط السميك للأزمة الراهنة، التي أصبحت تهدّد وجود الدولة الواحدة، وتشكل خطراً داهماً لتماسك الجبهة الداخلية.
ولا ندري إذا كانت سخرية القدر هي التي تضع اللبناني، كل مرّة، أمام الحوار، كخيار لا بدّ منه لمعالجات الأزمات المستعصية، والبحث عن حلول، ولو مؤقتة، للخلافات المستشرية!
ولا ندري إذا كانت «الصدفة» وحدها، هي التي جمعت نقطة مشتركة واحدة في ثلاثة خطابات، لثلاثة أقطاب، هم المعنيون، أكثر من غيرهم، بإيجاد المخارج الممكنة لمغادرة دوّامة المراوحة الراهنة.
فهل سيؤدي كلام الرئيس ميشال سليمان والرئيس سعد الحريري، والسيّد حسن نصر الله، إلى الحوار مجدداً، وسكب المياه الباردة على الرؤوس الحامية؟
* * *
السيّد حسن نصر الله، أطلق الدعوة إلى الحوار، وأعلن في خطابه في إفطار دعم المقاومة، بأن يده ممدودة للجميع، للبحث في كل ما يؤدي إلى تعزيز الوضع اللبناني، في زمن العواصف العربية.
الرئيس ميشال سليمان، الذي رفع سقف المواقف الوطنية الكبرى، في خطابه بعيد الجيش، أكد أيضاً عزمه على الدعوة للعودة إلى طاولة الحوار، وتحصين الوضع اللبناني من خلال التوافق على الاستراتيجية الدفاعية.
الرئيس سعد الحريري فاجأ الجميع، وبصراحته المعهودة، عندما دعا «حزب الله» إلى الحوار، وترك الحكومة العتيدة تعالج مشاكل اللبنانيين المتفاقمة، بعيداً عن المتاريس السياسية المعتادة في مجلس الوزراء.
ولكن الأقطاب الثلاثة يُدركون أكثر من غيرهم، أن الكلام وحده عن الحوار لم يعد كافياً وحسب، بل أصبح غير مقنع بالنسبة للبنانيين، ويكاد يتحوّل إلى موضوع للسخرية عند شريحة واسعة منهم.
الواقع أن العودة إلى طاولة الحوار، تحتاج إلى مناخات سياسية مناسبة، يتحمل مسؤوليتها بشكل أساسي كل من 14 و8 آذار، وخاصة تيّار المستقبل وحزب الله، طرفي التوتر السياسي والمذهبي في الشارع اللبناني، كما أن هذه العودة تحتاج إلى آلية ديناميكية جديدة، تؤدي إلى حسم ملف الاستراتيجية الدفاعية، وإنهاء ازدواجية السلاح، التي تسببت بإنهاك الجيش الوطني، وتكاد تضرب هيبته ومصداقيته. ومثل هذه الآلية يبقى الرئيس ميشال سليمان المعني الأول بها.
لقد وصلت الأوضاع المتردية في لبنان إلى حدّ خطير، يفرض على كل الأطراف تحمّل مسؤولياتها الوطنية والتاريخية، وحسم خياراتها النهائية خاصة بالنسبة لحزب الله.
ومن موقع الحرص على الخروج من المأزق الراهن، وحماية ما تبقى من الدولة، وصيغة العيش المشترك، لا نغالي إذا قلنا أن «حزب الله» يتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية التاريخية للحوار في هذه المرحلة نظراً لحجمه على الساحة الداخلية، فضلاً عن دور سلاحه المثير للجدل محلياً وعربياً ودولياً.
بالأمس، دعا السيّد نصر الله خصومه السياسيين للمواجهة في الداخل السوري، والحفاظ على الأمن والاستقرار في الداخل اللبناني. ولكن ماذا يمنع «حزب الله»، مثلاً، أن يكتفي بحكومة تمثل الجميع، وتنال أوسع تأييد، ويعود إلى طاولة الحوار، منهياً القطيعة بين شركاء الوطن؟
لم يعد الوقت يسمح بمزيد من السجالات والمناورات، فالانهيار على الأبواب، والنزف البشري والاقتصادي يطال كل بيت، ولن يخرج أحد رابحاً في حال سقط سقف الوطن فوق رؤوس الجميع.
* * *
ولعل هذا التوجه الحواري المستجدّ، يأخذ أهمية مضاعفة، في هذه الأيام بالذات، حيث يتسلم الرئيس حسين روحاني مسؤولياته الرئاسية في طهران، واعداً بكثير من الاعتدال والانفتاح، والرئيس ميشال سليمان يُشارك في هذه المناسبة الإيرانية عن كثب، في محاولة جريئة لتلمس توجهات المرحلة الجديدة في إيران، وامتداداتها في سوريا ولبنان.
لقد شبع اللبنانيون من الكلام والسجالات البيزنطية، ومن حقهم أن يطالبوا الرئيس سليمان والرئيس الحريري والسيّد نصر الله، بخطوات عملية نحو حوار ينظّم الخلافات، إذا لم يفلح في معالجتها، ويلبي حاجتهم إلى تهدئة سياسية تتيح لهم فرصة التقاط الأنفاس، وإعادة ضخ نبض الحياة إلى شرايين البلد الاقتصادية والمعيشية!