كتبت باسكال بطرس في “الجمهورية”:
تؤشّر المواقف التي تضمّنتها خطابات كلٍّ من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والأمين العام لحزب الله حسن نصرالله والرئيس سعد الحريري، الأسبوع الماضي، إلى مستقبل الأوضاع الداخلية، والخيارات التي يمكن اللجوء إليها لحسم الملفّ الحكومي ومصير الحوار الوطني. فما هي أبعاد هذه المواقف وخلفيّاتها؟ وهل تتقاطع عناوينها وتبشّر بتأسيس مرحلة سياسية جديدة أم أنها تتعارض ما ينذر بإبقاء المرحلة على ما هي عليه؟
لم تمضِ 24 ساعة على خطاب سليمان الناري في عيد الجيش، حتى أطلّ أمين عام “حزب الله”، لمناسبة “يوم القدس العالمي”، متجاهلاً مواقف رئيس الجمهورية والداخل اللبناني السياسي، وحاصراً خطابه بالقضية الفلسطينية. وما هي إلّا ساعات قليلة حتى خرج رئيس تيار “المستقبل” يطرح في خطاب متلفز مبادرته الى تأليف حكومة حيادية برئاسة تمام سلام تستثني فريقه وفريق “حزب الله” من المشاركة فيها.
تضاربت ردود الفعل حول هذه الخطابات – المحطّات الثلاث، التي بدت سقوفها عالية وساخنة في الوقت نفسه، ما طرح تساؤلات عدّة حول ما إذا كانت الأزمة الحكومية ستكون مقبلة على تحريك ايجابي جديد في الفترة المقبلة أم أنها ستزداد تعقيداً وتبقى متعثّرة إلى أجلٍ غير مسمّى؟.
في هذا الإطار، تلفت أوساط في قوى 14 آذار لـ “الجمهورية”، إلى أنّه “في حين كان يفترض أن تؤدي كل المؤشرات إلى مرحلة تجاوب وتطوّر إيجابي على المستوى الداخلي، وتحديداً الحكومي، بدا من الواضح رفض “حزب الله” التنازل لصالح المصلحة الوطنية العامة، لأسباب عدة أبرزها وأهمّها يتلخّص بسعيه لتغطية كل ما يقوم به من نشاطات خارج لبنان، وتحديداً في سوريا، وذلك تحت غطاء وطني كبير عنوانه المصلحة الوطنية أو الدفاع عن لبنان، في وقتٍ يقوم بالدفاع عن مصالح لا علاقة لها بتاتاً بالمصلحة الوطنية اللبنانية”.
ويوضح عضو كتلة “المستقبل” النائب أحمد فتفت أنّ “الرئيس الحريري خرج بمبادرة، كما أنّ فخامة الرئيس وضع النقاط على الحروف، إلّا أنّ “حزب الله” لا يريد التجاوب”، مشيراً إلى أنه “فيما كانوا يتهمون الرئيس الحريري بأنه يسابق الى السلطة، اتضح أنّ هذا الاتهام ينطبق عليهم. فالحزب لم يعد يخفي ذلك بل على العكس، هو يعلنه بشكل واضح وشفاف”.
في المقابل، تعتبر مصادر قوى 8 آذار أنّ “الخطابات الثلاثة بدت متباعدة، ما ينبئ باتّساع الفجوة بين الأفرقاء السياسيين، ويكشف عن تأخير في كلٍّ من الولادتين الحكومية والحوارية.
ويرى عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب كمال الرفاعي في هذا السياق، أنّ “خطاب الرئيس سليمان ذهب نحو مرحلة بعيدة تؤخّر الحوار، أما خطاب النائب الحريري فكان تحريضياً ضد “حزب الله” بكل ما للكلمة من معنى، في حين لم يتردّد سماحة السيّد بفتح قلبه ويده في تعاطيه مع الآخرين، إلّا أنّ الناحية العقائدية قد غلبت على خطابه الذي ركّز فيه على مدى تعلّقنا بقضية فلسطين”. وإذ يلفت إلى أنّ “مجمل الخطابات لن تؤدي الى حوار قريب ولا الى تشكيل الحكومة المرتقبة”، يؤكد الرفاعي أنّ “مسألة التشكيلة الحكومية ليست بيد الأفرقاء الداخليين. فهناك حالياً قرار اقليمي معيّن يمنع تشكيل الحكومة”، معتبراً أنّ “المرحلة المقبلة ستكون حسّاسة جداً، إذ سيؤجَّل خلالها ملفا الحكومة والحوار، نتيجة طروحات فخامة الرئيس الأخيرة، خصوصاً تلك المتعلّقة بسلاح المقاومة. فهناك نوع من التشنّج لدى فخامة الرئيس، ما أدّى الى اختلاف خطابه عن الخطابات السابقة لجهة تعاطيه مع مفهومي المقاومة وثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، فيما كنّا نتمنّى على فخامته، وبعد الانتصار الكبير الذي حققته المقاومة على الكيان الصهيوني، لو أنه حافظ على بعضٍ من الوفاء لهؤلاء المقاومين الذين حرّروا الأرض”.
وفي وقت يشدّد الرفاعي على أنه “ولغاية اليوم لم يصدر أي موقف من قبل “حزب الله” يهاجم فخامة الرئيس رغم أنّ خطابه يمسّ المسلّمات الأساسية لوجود المقاومة”، يشير إلى أنّه يتم التريّث الآن بانتظار دراسة هذا الخطاب وخلفيّته، لنبني على الشيء مقتضاه. أما بالنسبة لعملية التمديد، فنأمل أن يكون هناك حكومة، وأن تقوم الحكومة والمجلس بواجبهما لجهة القيام بانتخابات رئاسية نخرج فيها من بدعة التمديد، أكان على صعيد المؤسسات أو على صعيد الأشخاص، وبالتالي إجراء العملية الانتخابية بما يتلاءم مع الدستور اللبناني، ومع الديموقراطية التي يعيشها لبنان، ولو شابتها شوائب كثيرة”. من جهته يرى فتفت، أنّ “الهجوم على رئيس الجمهورية غير مبرّر أبداً، وتحديداً بالطريقة التي تمّ بها والتي كانت بعيدة جداً عن الأخلاقية السياسية، كالدعوة الى الإنقلاب على الرئيس وطلب رحيله وكل ما شابه ذلك من الكلام، وكل ذلك يدلّ وكأنّ هناك أطرافاً سياسية لها أجندتها الخاصة على حساب المصلحة الوطنية العليا”.
أما بالنسبة الى دعوة الحريري الى تأليف حكومة حيادية، يقول الرفاعي: “لا نفهم ما معنى الحيادية، هل باعتقاد الحريري أنّ الرئيس المكلف تمام سلام حيادي؟ فسلام أتى من فريق 14 آذار”. ويرى الرفاعي أنّ “رفض ادخال ثلاثية جيش شعب مقاومة في أي بيان وزاري مقبل، هو أيضاً من ضمن هذه الشروط التي توضع لعرقلة قيام حكومة”، لافتا الى أنه “في حال سمّي الحريري الآن رئيساً للحكومة فهو سيعتمد هذه الثلاثية، في حين يضعها شرطاً لعرقلة قيام حكومة برئاسة سلام بإيعاز خارجي وليس لمصلحة داخلية”.