Site icon Lebanese Forces Official Website

بين “ديموقراطية” الحريري و”مذهبية” نصر الله

 

أن يظهر سياسيّ لبناني من داخل لبنان أو من خارجه مخاطباً الجمهور عموماً أو جمهوره الخاص، متهجّماً على فئة معيّنة من الشعب أو جامعاً بين كل الطوائف والمذاهب والأحداث، متمسّكاً بالدستور والقانون أو محرّضاً على الانقلاب على الشرعية، حاصراً نفسه و”جماعته” بتعريف معيّن أو شاملاً كل اللبنانيين في خطاب موحّد… لا يعود لمكان الخطاب وظروفه أي أهمية، وتسقط الشكليات، إلا في ما خصّ طريقة الأداء، لتتركّز التحليلات والاستنتاجات على المضمون والأهداف والمناسبة والتصورات والاعتقادات…

وإن كان لا مجال للمقارنة بين خطابي الرئيس سعد الحريري والأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله، إلا أن الخطابين حدّدا للجمهور في الداخل والخارج وللدول الإقليمية والغربية المسار الذي يتّبعه كلّ من الرجلين، أما ما يستتبع الخطابين فما زال يتناوله اللبنانيون حتى اليوم… فماذا يهمّ الشعب اللبناني غير العيش بسلام؟ وماذا ينفعه في ظلّ الحروب غير حكومة تؤمن له أبسط مستلزمات حياته اليومية التي باتت فيها الكهرباء من الكماليات، والانتعاش لوطنه الذي يعتمد أساساً في اقتصاده على السياحة؟!

في الواقع إن الشعب اللبناني سئم الحروب وما زال يردّد حتى اليوم و”بالعربي المشبرح”، كما يُقال، “شبعنا حروب بقا”، وملّ الشعب من الكلام في السياسة والدعوة الى القتل والدمار والمفاخرة بإعلان الحروب والاستقواء بمنطق الانقلابات والتعديات اليومية على الدستور والقانون… إن اللبنانيين لا يحتاجون سوى الى “نَفَس” من السلام وإلى من يمسك بيدهم ويجمعهم حول طاولة واحدة لا يشاركهم فيها أشخاص هدّامون للداخل، مدّعين إنقاذ الخارج، يشدّون لبنان بكامله، رغماً عنه، الى زواريب الفتنة في دويلة أقل ما يقال فيها إنها صنيعة الخارج الممانع مع “تواطؤ” طرف في الداخل.

واللبنانيون ليسوا متحجّرين ولا انعزاليين أو انطوائيين، والدليل أن القسم الأكبر منهم يرفض الانجرار وراء الفتنة. واللبنانيون ليسوا أيضاً متطلّبين، فالمسيحي منهم لا يسعى الى احتكار لبنان لنفسه لأنه لطالما طالب باستقلال لبنان عن محيطه لينصرف مع شريكه المسلم لإعادة بنائه من جديد، كذلك المسلم الذي يبادل شريكه المسيحي روح الحرية والديموقراطية… ولا تراجع في الموقفين!

هذا بالفعل ما حققه الرئيس سعد الحريري غروب يوم الجمعة الماضي، حين جمع الى مائدة “إفطاراته” كل اللبنانيين، من كل المناطق والمذاهب، ووصل صوته الى بيروت الى طرابلس الى صيدا والجنوب وإقليم الخروب والجبل وعكار والبترون والبقاع وعرسال. وهذا ليس بجديد، فتيار “المستقبل” لا يقتصر على الطائفة السنية فقط، بل يضمّ مسيحيين وشيعة، يعملون في سبيل إنماء لبنان بكامله ولم يصرخوا يوماً بأنهم “أبناء علي” أو “شبيبة علي” ولا أطلقوا العنان وخرجوا عن لبنانيّتهم ليدخلوا في الخطابات الطائفية الضيّقة الخاصة ليُعلِموا الناس بأنهم “الحزب الإسلامي الشيعي الاثني عشري” ولم يقولوا “نحن شيعة علي بن أبي طالب” وربطوا مذهبهم بتحرير أي بلد خارجي… فكل هذا الضجيج لا يجدي نفعاً، ولا يجرّ على لبنان سوى الويلات، وبكل بساطة يمكن استبداله بخطاب وطني جامع يَعني المسيحي قبل المسلم، ويحمل ما فيه الخير للبنان ويُترك الخارج ليقع في شرّ أفعاله.

صحيح! فإن الرئيس سعد الحريري لم يعرّف يوماً عن نفسه، ولا “سلسل” الانتماءات الطائفية ومرجعيّاتها، لأنه ينتمي أولاً الى مدرسة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأخيراً الى لبنان. مع الحريري “فطر” اللبنانيون على الخير والسلام، ما أنساهم “سمّات البدن” في فترة بعد الظهر من اليوم نفسه، فما الفائدة أن يختتم الصائم يومه بخارطة طريق مذهبية رسمت فيها كل خطط واستراتيجيات الحروب والاستقواء والتهديد والتهجّم والدفاع عن نظام قمع اللبنانيين وأنزل بهم أشدّ العقاب بالعذاب والقتل والخطف، وما الفائدة من التذكير بتحرير القدس والحزب قد أضاع بوصلتها، والوطن “الأصلي” محكوم بسلاح يتحرّك “عَ حساب” بشار الأسد؟!

فشتّان ما بين “التيار” الذي يظهر، من دون أن يجاهر، بأنه “تيار” للمستقبل، مدني ديموقراطي ووطني، وحزب بات القيّمون عليه مدركين بأنهم فقدوا كل شرعية إقليمية أو محلية، فما عادوا يملكون سوى الشرعية الطائفية كي ينادوا بها، والواضح أن الحزب، وهذا لا يعني أنه يشمل كل الطائفة الشيعية، بات يقود “أوركستراه” منفرداً، و”يغرّد” برصاصه وحيداً. خاطب الحريري كل اللبنانيين لأن لم يسبق له أن خاطب فئة أو طبقة، ولأنه يدرك بأنه سيلقى تأييداً من الجميع وبأن خطاب “المستقبل” المعتدل لا ينحاز الى جهة ولا يعزل أخرى، في حين أن العكس مذكور في النظام الداخلي لـ”حزب الله”.

إنه زمن سقوط الأحزاب الديكتاتورية المستبدة، الإيديولوجية الداعمة لأنظمة تشبهها لأن تلك الأحزاب وبكل بساطة ليست إلا انعكاساً لتلك الأنظمة التي أوتها وسلّحتها… أما لبنان، واستناداً الى رأي اللبنانيين، فلا يحتضن سوى أحرار ديموقراطيين، والشعب يتبنّى الرأي نفسه في مختلف المناطق اللبنانية، كل مواطن بحسب رؤيته للأمور. في هذا الإطار، رأت المواطنة أولغا جعجع من بشرّي أن “خطاب الحريري كان هادئاً، فيما خطاب نصر الله كان هستيرياً”. ويقول روبير البيطار من الجديدة إن الفارق واضح بين “الخطاب الوطني للحريري وخطاب “الحرق” الوطني”. من جهته، اعتبر شارلي عازار من الأشرفية أن “الخطابين يعبّران عن أقصى درجات الاعتدال وأقصى درجات الإرهاب”، ويتابع: “مشروع الحريري يؤسس لدولة تدوم الى الأبد والمشروع الآخر يزيل الدولة ومؤسساتها ويحمي مقدسات كل الطوائف وحقّها بمزاولة خصوصياتها بحرية، وهو نهج تدميري يفتح الباب واسعاً على حروب لا تنتهي”. ورأى خالد موسى من البقاع أن “خطاب نصر الله طائفي بامتياز بينما خطاب الحريري وطني جامع”.

Exit mobile version