“إني أخاف عليكم من كل عليم اللسان منافق الجنان، يقول ما تعلمون ويفعل ما تنكرون”
(الإمام علي بن أبي طالب)
روت المسرحية حكاية تاجر مسيحي إسمه انطونيو، تقي و”محبوب” من أبناء المدينة لصفاته الطيبة ولأنه كان يعطي دون حساب وإن أقرض المال للناس فمن دون فائدة. بالمقابل كان شايلوك مرابياً يهودياً خرب بيوت المئات من أبناء المدينة بعد أن أقرضهم بفوائد عالية مستغلاً حاجاتهم الملحة. المهم هو أن أنطونيو كان يقرع شايلوك بشكل دائم ويصفه بالوحش الكافر لأنه كان يستغل حاجات الناس ليستولي على أموالهم.
المفارقة هي أن أنطونيو وقع في فخ شايلوك بعد أن كان يحاول مساعدة أحد أصدقائه فذهب إلى المرابي ليقترض منه المال على أساس أنه سيرد ما اقترضه مع الفوائد في وقت محدد.
شايلوك أراد الإنتقام فعرض على أنطونيو أن يسترد المال منه بأن يقتطع رطلاً من لحمه إن تأخر عن الدفع في الوقت المحدد! وأعفاه حتى من فوائد المال. بالمحصلة فقد أنقذ أنطونيو من شايلوك بحيلة ذكية من القاضي وفضح المرابي أمام أبناء المدينة.
في العصر الحديث تجار كثر وأشهر تجار عالمنا العربي هم من باعوا واشتروا واقتطعوا أطناناً لا تحصى من لحمنا ومن لحم أجيال سبقتنا فوائد بحجم المراباة على حساب استعادة القدس وتحرير المسجد الأقصى.
وكان بعضهم يدخل كنيسة القيامة ومهد المسيح في بيت لحم في التجارة للإيحاء بوسع صدره وقبوله التعددية الدينية طالما أن الجميع سلموه لحومهم في الحاضر ولحوم أبنائهم في المستقبل مقدماً مقابل الإبتزاز الدائم باسترجاع القدس الشريف.
لو تعود بنا الذاكرة إلى خمس وسبعين سنة خلت، وراجعنا سجلات خطابات الزعماء العباقرة والملهمين الذين استولوا على الحكم بعد انقلاب ما أو ثورة ما، نراهم جميعهم يرددون كلمة القدس في كل وصلة طرب يكررونها بشكل ممل على السامعين! والناس كانوا يصدقون ويمنحون أبناءهم ذبائح على أقدام “مولوخ”(إله الحرب الوثني) جديد يعدهم بالنصر ويسمي وعده “الوعد الصادق”.
المتاجرون بالقدس هؤلاء كان عندهم جواب واحد لكل سؤال، فإن سألتهم عن الحرية وحقوق الناس قالوا نسترجعها بعد التحرير، وإن سألتهم عن الإنماء والإقتصاد والتعليم، قالوا نستتبعها بعد التحرير، وإن سألتهم عن الأبناء الذين اختفوا في السجون أو هجروا البلاد دون رجعة قالوا كله يهون في سبيل استرجاع القدس، وإن سألتهم عن أسباب فشلهم في كل شيء وأن استرجاع القدس يحتاج إلى حوار حول الأساليب الفاشلة التي اتبعوها، اتهموك بالخيانة والكفر والعمالة للأجنبي وفي أحسن الاحوال فقدان روح المقاومة وتدني الإحساس القومي!.
حسن نصر الله هو أحد هؤلاء الذين كلما ناقشتهم في مسائل إفلاسهم السياسي وإغراقهم في تقطيع لحوم الناس وتماديهم في قطع الأرزاق واستسهالهم قطع الأعناق وعن دفعهم الناس إلى الفتنة ورفضهم للتجاوب مع الدعوات ليتقوا الله، بالغوا في الإستكبار حتى تأخذهم العزة بالإثم ! هؤلاء كلما أفلسوا فتحوا دفاتر القدس ليسكتوا من يطالبهم بالأجوبة المقنعة والنافعة. هؤلاء كلما سألتهم عن الغد منّنوك بالماضي وحمّلوك جميل أكلهم للحم أبنائك في مغامراتهم الفاشلة ونزواتهم وطيشهم وغرقهم في عالم الخرافات والأساطير.
مسرحية “المتاجرين بالقدس” الدموية وصلت إلى ختامها وما على “شيلوكنا” إلا التسليم بإفلاسه وإقفال متجره المليء بالخطابات المفعمة بالإستفزاز والدم والإستكبار قبل أن يأتي الناس لمطالبته بلحم أبنائهم. وقبل أن ينادي شيعة الإمام علي عليه السلام فليتبع هو وصاياه، وقبل أن يفاخر بأنه مجاهد حسيني فليتوقف عن ذبح المظلومين واقتطاع لحومهم.
() عضو المكتب السياسي في تيار “المستقبل”