لا شك في أن الحادثتين الدمويتين اللتين وقعتا أواخر الأسبوع الماضي في عرسال عبر غارة الطيران الحربي السوري على جرود البلدة، وقتل عدد من النازحين السوريين والمزارعين اللبنانيين، أو من خلال حادث العريضة الذي نتج عنه مقتل مواطن سوري على يد شبيحة الأسد ومخابراته الذين إجتازوا الحدود وطاردوه ليقتلوه داخل الأراضي اللبنانية في مجرى النهر الكبير إثر فراره من آلة القتل السورية، تفتحان الباب أمام تسعير الوضع اللبناني، على مزيد من الحوادث الدموية المماثلة والتي تبدو المعالجات الرسمية لها غائبة الى حد الإنعدام الكلّي، بدليل ليس غياب المعالجة والرد على مصادر الإعتداءات، إنما غياب اي موقف سياسي رسمي رافض لإنتهاك السيادة الوطنية وقتل مواطنين أبرياء، وكأنهم من كوكب آخر.
من الواضح أن غياب أو تغييب مثل هذه الحوادث الخطيرة في ابعادها ونتائجها على الأرض، وفي أوساط المواطنين المتروكين لقدرهم، يعود الى سببين جوهريين:
الأول: إن القرار السياسي صاحب الإمرة القادر على التصدي لهذه الإعتداءات ولجمها، هو بيد الفريق السياسي الحليف لنظام بشار الأسد، والذي يعمل بوحي تعليماته وأوامره، لا بل يبرر له هذه الإعتداءات ويوجد لها الذرائع، هذا من الناحية الشكلية، أما من الناحية المبدئية، فإن هذا الفريق المنخرط كلياً في الصراع السوري، بعدما ربط مصيره الوجودي بمصير هذا النظام، لا يرى ضيراً في هكذا تعديات ويعتبرها مبررة، لإعتقاده أنها تخفف من الصعوبات التي تواجهه في معاركه مع المعارضة السورية.
الثاني: إن قرار مرجعية الدولة الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية ميشال سليمان في خطابه التاريخي في عيد الجيش في الأول من آب الحالي، يبدو أن هناك إصراراً على تغييبه بحالتين، الأولى سياسية بعدم إكتراث الفريق السوري – الايراني بهذا الخطاب وعناوينه السيادية ورفض الأخذ بالصرخة الرئاسية التي تعبّر عن رأي السواد الأعظم من اللبنانيين، لا بل شن هجوماً سياسياً مضاداً على الرئيس وموقع الرئاسة الأولى، والثانية أمنية من خلال الرسائل الصاروخية التي أريد لها أن تكون رداً مباشراً على رفض الرئيس سليمان اي سلاح غير سلاح الجيش والقوى الأمنية والعسكرية الشرعية، أو من خلال رفضه أن يكون سلاح المقاومة، جزءاً من الحرب الدائرة في سوريا ويستعمل لأجندات إقليمية لا علاقة للبنان بها، وأن يبدل وجهته من مقاومة العدو الإسرائيلي، تارة الى الداخل اللبناني ليلعب دوره في تغيير موازين القوى السياسية، وتارة أخرى لتولي مهمة أخرى في سوريا، عدا عن دور هذا السلاح في عمليات تتكشف فصولها تباعاً سواء في دول المنطقة أو في بعض الدول الأوروبية والغربية.
أمام هذه المعطيات يبدو من الصعوبة بمكان التنبؤ بما ستؤول اليه الأوضاع على الحدود، والمدى الذي ستبلغه إعتداءات نظام الأسد على السيادة اللبنانية، ومدى إرتداداتها في الداخل، في ظل تراجع قدرات الدولة الأمنية والعسكرية، ليس على صدّ هذه الإعتداءات ومواجهتها والرد عليها، إنما رصدها بالحد الأدنى والتعامل معها بالسياسة ووفق الإتفاقات الأمنية التي يتمسك بها دائماً النظام السوري وحلفاؤه المحليون ويرفضون القفز فوقها، بإعتبار أن الحوادث الأمنية المتنقلة التي تغرق الساحة اللبنانية، تستنزف الأجهزة الأمنية والعسكرية بعديدها وقدراتها، وتنهك طاقاتها وهذا ما سبق وتوقعه خبراء أمنيون عندما حذروا من أن سلاح “حزب الله” ودوره الذي يشهد إنفلاشاً مخيفاً، سيزيد من الأعباء والتحديات الملقاة على عاتق المؤسسات الامنية الرسمية. وهذا الواقع الذي بدأ تطبيقه فعلياً ليس الا إنعكاس للإصرار على تقويض مؤسسات الدولة السياسية والأمنية، وهو ما يبرر حتى الآن تعطيل تشكيل الحكومة، والمضي في تغييب اي سلطة تنفيذية تكون قادرة على إتخاذ القرار والمساءلة والمحاسبة ما دامت مهمة السلاح غير الشرعي وسياسة الدويلة لم تحقق أهدافها بعد.