بصرف النظر عن الأهداف الشخصية والضيقّة التي حملت التيار العوني للدفاع عن بعض المواد الدستورية اخيراً، فإن مساره السياسي والعسكري والتحريضي المُناقض للدستور، اعتباراً من العام 1988 وحتى اليوم، لا يُشجّع بتاتاً على اخذ اقتراحه الأخير، بتشكيل “جبهة وطنية للدفاع عن الدستور”، على محمل الجدّ.
لو كان السلوك العوني الإستثنائي الأخير منزّهاً عن المصالح الشخصية والعائلية الضيّقة، لكان موضع ثناءٍ وترحيبٍ من قبل الجميع، لكنه جاء من خارج السياق الطبيعي للمسار اللادستوري الطويل الذي عهدناه مع التيار، ولذلك فهو لن يلقى منّا ومن غالبية اللبنانيين، سوى علامات الإستفهام والتشكيك.
مسيرة التيار العوني مع انتهاك الدستور والقوانين، حدّث ولا حرج.
في العام 1988 عُين رئيس العونية رئيساً لحكومةٍ إنتقالية مهمّتها الأساس، بحسب الدستور، الإعداد لإجراء إنتخاباتٍ رئاسية على غرار ما قام به قائد الجيش السابق فؤاد شهاب عندما عُين في العام 1952، رئيساً لحكومةٍ إنتقالية اعدّت الظروف الملائمة لإنتخابات الرئاسة.
عون الذي يتحدث اليوم “باحترام” واحتكار ارث وتقاليد المؤسسة العسكرية، لم يتشبّه برمز المؤسسة العسكرية الأول، فؤاد شهاب، وإنما تصرّف بشكلٍ مناقضٍ تماماً، فخرق الدستور، وشن الحروب العبثية، وعرقل انتخابات الرئاسة، عوض تسهيلها.
حزب التعامل الذي يتباكى اليوم على صلاحيات المسيحيين في دستور ما قبل الطائف، كان هو نفسه السبّاق الى خرق دستور العام 1926، وانتهاك العرف الدستوري في ميثاق 1943، وكان هو السبب الأول والأخير في الوصول الى تعديلات الطائف.
رئيسه لم يخرق دستور ما قبل الطائف فحسب، وإنما كان السبّاق الى خرق دستور الطائف ايضاً. اواخر العام 1989 صار رئيس العونية، بحكم الشرعية اللبنانية والعربية والدولية، ضابطاً متمرداً! في هذه الحال، لم يخرق رئيس العونية الدستور والقوانين اللبنانية فحسب، وإنما قسمه العسكري ايضاً.
قصة العونية مع الخروقات والإنتهاكات الدستورية، تُشبه حكاية الف ليلة وليلة.
في البند “ب” من مقدّمة الدستور، لبنان عضو مؤسس وفاعل في جامعة الدولة العربية والأمم المتحدة ومُلتزم بمواثيقهما، امّا في أدبيات التيار العوني فإن لبنان هو عضو غير فاعل في المحور الأسدي-الإيراني، ومُلتزم بتعليماته فقط، سواء بالنسبة للسياسة الخارجية او لجهة استراتيجية الأمن والدفاع، والأمثلة على ذلك لا تُعّد ولا تُحصى.
في أدبياته ايضاً، لا قيمة لا للأمم المتحدة ولا للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان. بتاريخ 7 شباط 2007 قال العماد عون: “لا قيمة لتوقيع الأمم المتحدة على المحكمة الدولية”.
في البند “ج” من مقدمة الدستور: لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي، امّا في أدبيات التيار العوني فإن رئيس العونية لا يتورّع عن التهديد بإحراق صحفٍ لبنانية، مثلما صرّح في اوائل حزيران 2007.
في البند “د” من مقدمة الدستور: الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، امّا في ادبيات التيار العوني فإن مصدر السلطات، هو سلاح “حزب الله”، وليس الشعب الذي فاز في انتخابات الـ 2009 ومُنع من إعادة إنتاج السلطة تحت وطأة السلاح والتهديد.
في البند “ي” من مقدمة الدستور: لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك، امّا في ادبيات التيار العوني، فإن سلطة الأمر الواقع المُسلّحة المُسّماة “مقاومة”، هي الشرعية والعيش المشترك والمشروعية بحدّ ذاتها، حتى وإن كان نصف الشعب اللبناني على الأقل ينبذ هذا السلاح، ولا يعترف بشرعية هذه “المقاومة”.
لقد حصر الدستور اللبناني قرار “السلم والحرب” بيد مجلس الوزراء مجتمعاً، امّا في ادبيات التيار العوني فإن قرار “السلم والحرب” يعود تقديره وتقييمه وإتخاذه لقيادة “المقاومة” منفردةً، حتى ولو ادّى ذلك الى تدمير مقومات الوطن.
حددّت المادة 32 من الدستور اللبناني مواعيد إنعقاد جلسات مجلس النواب في عقديه العاديين على الشكل التالي: “يجتمع المجلس في كل سنة في عقدين عاديين فالعقد الأول يبدأ يوم الثلثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر آذار وتتوالى جلساته حتى نهاية شهر آيار، والعقد الثاني يبدأ يوم الثلثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأول”.
امّا في مفكّرة التيار العوني فإن “الدفاع عن الدستور” يكمن في خرق المادة 32 منه، وذلك عبر تعطيل جلسات المجلس النيابي في عقديه العاديين، وطوال الفترة الممتدة من تشرين الثاني 2006 ولغاية ايار 2008، حتى في ظل وجود حكومةٍ شرعية وقانونية وغير مستقيلة.
نصّ الدستور اللبناني على ان “هدف الدولة اللبنانية هو بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية”، امّا هدف التيار العوني فهو الترويج لبقاء سلاح غير شرعي حتى ولو استهدف هذا السلاح القوى الشرعية نفسها وحرّم عليها التحليق في اجواء السيادة الوطنية، تماماً مثلما حصل فوق تلة سُجد!.
بتاريخ 15 آذار 2001 قال العماد عون :” 7 ايار ممكن ان يتكرر في اي لحظة إذا مُسّ بقدرات الدفاع”!! عاشت فرقة الزجل العونية “للدفاع عن الدستور”.
في الدستور اللبناني لا يوجد اي ذكرٍ لمصطلح “المقاومة” ولو تلميحاً، امّا في قاموس التيار العوني فـ “المقاومة” لا تعلو وتتقدم الدستور والقوانين اللبنانية فحسب، وإنما القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية ايضاً.
بتاريخ 16 شباط 1985 صدر البيان التأسيسي الأول لـ”حزب الله” الذي تضمّن عدم إعترافٍ بالشرعية الدولية، وبالنظام اللبناني ككل، ودعوته صراحةً لإستبدال هذا النظام بحكومةٍ إسلامية تتبع ولاية الفقيه في ايران. تلاه في 30 تشرين الثاني 2009 إعلان البيان التأسيسي الثاني للحزب والذي شددّ نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم على أنه سيتضمّن بعض التعديلات التي لا تمسّ بجوهر البيان التأسيسي الأول، مُشدداً على ان “موقف حزب الله من المسائل العقائدية سيبقى على حاله”. هلّلويا…
التيار العوني الذي يعدنا اليوم بتشكيل “جبهةٍ وطنية للدفاع عن الدستور”، لا يخرق الدستور على مدار الساعة فحسب، وإنما يتحالف “عضوياً واستراتيجياً” مع حزبٍ لا يعترف، لا بالدستور اللبناني ولا حتى بالدولة اللبنانية ككل! أبشِر وأنعِم…