يوم فوّض المجلس النيابي بأغلبية ساحقة الرئيس المكلّف تمام سلام تشكيل الحكومة، ظن اللبنانيون أن الخلاص قد أتاهم وأن الاجماع الذي ناله سلام خير دليل على أن البلد قد وضع فعلاً على سكته الصحيحة حتّى أن الامور بدت في حينه وكأن لبنان ذاهب للمرة الاولى إلى توافق سياسي وتحديداً بين تيار “المستقبل” الذي رشّح سلام و”حزب الله” الذي تلقّف هذا الترشّح بمنحه أصوات نوابه. لكن في ذلك الوقت أطل البعض ليقول، إن العبرة في التأليف وليس في التكليف لإدراكه أن عراقيل عدّة سوف تمنع سلام من القيام بمهامه وتحديداً من “حزب الله”.
موضوع تأليف الحكومة متعلق بـ”حزب الله” بشكل مباشر لأنه يعتبر أن عدم امتلاكه ثلثا ضامنا في أي حكومة قد تُشكّل، يعني منعه من إكمال إحكام سيطرته على البلد، والرعب الذي يتسلل إلى قيادة الحزب من أن تُشكّل حكومة من دونه او من دون هذا الثلث، يتأتى من خوف يفقده هيمنته خصوصاً في مواضيع الامن والدفاع والسياسة الخارجية، وخصوصا أن سياسات الحزب وممارساته الخاطئة خلال السنوات الماضية، ادت الى عزلته وغرقه بالمذهبية، وليأتي تورطه في الموضوع السوري ويُغرقه أكثر فأكثر.
“هذه المرحلة من اكثر المراحل التي شهد فيها لبنان فساداً وفوضى وإذا بقي الوضع على هذا المنوال فقد نشهد مزيداً من إنحراف البوصلة نحو ازمات لبنان في غنى عنها”. الكلام للوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون الذي يسرد لـ”المستقبل” بعضاً من الوقائع التي عايشها الشعب اللبناني في ظل تسلّط “حزب الله” على الدولة ومقدراتها، “لقد أغرق الحزب وحلفاؤه، أي رئيس مجلس النواب نبيه بري والعماد ميشال عون، البلد بفساد غير مسبوق وإذا راقبنا تطور الدين العام، نلاحظ كيف انه زاد منذ العام 2005 إلى اليوم 22 مليار دولار من دون اعمار او انجاز يذكر”، وهذا برأي بيضون يدل على أن تجربة الحزب في الحكومات سيئة جدا. و”الفساد في الدولة إنعكس أيضاً على قاعدة “حزب الله” الجماهيرية داخل بنيته التنظيمية بحيث لم تعد قياداته تنظر إلى جمهورها مما خلق طبقية داخل حزب يفترض انه مقاوم”.
“أخطر الشرور تكون عندما ينقلب فريق من الداخل على شركائه في الوطن فعندها يُصبح كالمُحتّل”. هكذا يصف بيضون “حزب الله” اليوم، والذي تحوّل إلى سلاح مذهبي وليُصبح بنظر اللبنانيين والسوريين على شاكلة “سرايا الاسد” أو شبّيحته والحزب لا يملك اليوم أي قضية، والقضية التي يقاتل لأجلها في سوريا، هي قضية غير عادلة وغير انسانية وغير دينية وليس لها مؤيد، ويقول بيضون ” لقد استعمل “حزب الله” بهلوانيات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية السابق ياسر عرفات ابو عمار الذي كان يُفرّخ ميليشيات في كل مكان يذهب اليه وتنظيمات يدفع لهم لكي يكسب تأييدهم، وهكذا يفعل الحزب الذي يدفع لتنظيمات سنية ومسيحية وشيعية مقابل شراء سكوتهم وهو بذلك يقول لهم، أنا اسكت عن فسادكم مقابل سكوتكم عن القرار السياسي”.
ولخطاب السيد حسن نصرالله الأخير، وتحديداً في الشقّ المتعلّق بشيعة لبنان، معنىّ واحد في قراءة بيضون. “من يعرف “حزب الله” يدرك انه ومنذ الخروج السوري من لبنان قد تحول الى المذهبية كونه يعتبرها حمايته الوحيدة ولم يعد يستطيع حماية نفسه بالقضية الفلسطينية التي تبيّن انها تجارة مكشوفة. الحزب هو من عزل نفسه وهو من أنتج الصراع المذهبي بين السُنة والشيعة واليوم يحاول بمساعدة بشار الأسد إنشاء دولة علوية في سوريا”، ويُضيف: “كنت اقول باستمرار إنّ لنصرالله ثلاثة معاونين الاول الحاج حسين الخليل، بري لشؤون وضع اليد على قرارات الدولة وتسيير الامور الداخلية وميشال عون لشؤون ضبط الشارع المسيحي او إسكاته، واليوم تبين أن الشارع المسيحي مفجوع ومصدوم وهذا يبين أيضا مدى صغر حجم عون”.
يُفنّد بيضون عمل المعاون الثاني أي الرئيس بري وطموحاته، قائلاً “يستفيد بري من عثرات “حزب الله” وهو يحلم أن يرث وعائلته الحزب بعد أن يقع الاخير في حفرته الاخيرة، وهو أيضاً أحد أبرز العاملين لإسقاط الحزب، فمنذ سنتين كانت نغمته المفضلة السين – سين وبأنها خلاصنا للخروج من أزماتنا، ليتحوّل اليوم إلى نغمة أخرى اسمها السعودية – ايران، لشعوره أن الاسد قد انتهى، ورغم ذلك فهو لم يتجرّأ مرة بدعوة الحزب الى سحب مقاتليه من سوريا”. أمّا في الشقّ المتعلق بعون، فهو يجزم أنه يريد أخذ المسيحيين الى ايران اي باتجاه معاكس لمصالحهم ومستقبلهم، “المسيحي متململ جدا من سياسة عون الذي بدا مؤخرا كالزوج المخدوع، فهو في السابق كان يقول للمسيحيين ان تحالفه مع الحزب يضع سلاح الاخير في خدمة تقوية الدور المسيحي ليتبين في النهاية انه مخدوع ويخدع المسيحيين”.
وينهي كلامه في الشق العوني، “لقد غطّى سلاح الحزب قسماً من الفساد الذي غطس فيه عون هو ووزراؤه واقرباؤه وليتبيّن أنه مجرّد عبد مأمور وليس شريكاً بالقرار السياسي وتحديدا بعدما ضرب الحزب عرض الحائط بالعلاقة مع عون من خلال التمديد لمجلس النواب وبعدها لقائد الجيش”.
ولبيضون أيضاً قراءة واضحة في ما خص الصواريخ التي كانت أطلقت مؤخراً على محيط القصر الجمهوري فهو يعتبرها “رسائل من “حزب الله” لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، بمعنى انك لا تستطيع الخروج عن طوعنا خصوصا وان حملة سليمان على من اسقطوا اعلان بعبدا مستمرّة، ولذلك اطلق على هذا الاعلان في خطابه الاخير العقد الاجتماعي، وهذا يُعتبر أن الحزب أصبح خارج هذا العقد وخارج الميثاق، مع العلم أنها المرة الاولى التي يُشير فيها سليمان الى ان سلاح “حزب الله” هو سلاح غير شرعي”، ويضيف “الرئيس يقوم بواجبه بشكل مسؤول وشجاع في سبيل المحافظة على الدولة ومؤسساتها وعلى صلاحياتها في الوقت الذي يسعى الحزب إلى وضع الدولة تحت هيمنته خصوصاً وأن لبنان بالنسبة اليه منصّة وليس وطناً ولذلك لن يسمح سليمان للحزب بأخذ البلد الى الفراغ لأنه يشعر ان البلد محمول على كتفيه وسوف يقوم بالدولة اللبنانية حتى لو اضطر الامر الى مواجهة الحزب”.
من باب أن المذهبية قاتلة وسوف تُنهي “حزب الله” وأن الطائفة الشيعية في تربيتها تنتمي إلى خط السيد موسى الصدر وليس “الولي الفقيه”، يدخل بيضون إلى خطاب الرئيس سعد الحريري الاخير ليؤكد التالي: ” هو أحد أهم وأفضل الخطابات التي أطلقها الحريري، لقد طرح كل الملفات وأهم ما فيه أنه قطع نهائيا كل ما يُحكى عن المساومات بعدما كانت تتهم “14 آذار” بالدخول في بازارات سياسية مع الحزب وبري”. ويخلص إلى القول: أنا لست في “14 آذار”، أنا في “16 آذار” ممازحاً. المشكلة مع فريق “14 آذار” انه عاش الى حد كبير ردود الفعل وليس الفعل علما انهم لطالما كانوا اصحاب المبادرات، “سبق أن طالبنا بأن يكون لهذا الفريق مجلس وطني يتكوّن من 400 شخصية لبنانية بينهم 100 شخصية شيعية على الاقل، لمعرفتنا المطلقة بمدى الإنعكاس الإيجابي في نفوس الشيعة الذين يحلمون بالانتقال الى حياة افضل”.