#adsense

بين الخالدية.. واللاذقية

حجم الخط

لم يهنأ رئيس السلطة السورية طويلاً وكثيراً بـ”انتصاره” في حيّ الخالدية الحمصي. وبدا على عادته، مستعجلاً في استثمار كل خراب كارثي لحسابه الخاص ولمحاولة القول تكراراً انه لا يزال “رقماً” يؤخذ به في الحساب الأخير للوضع السوري.

طلّته الأخيرة في الإفطار الذي أقامه في دمشق أظهرت مدى العطب الذي أصابه. لم يقرأ البرقيات الآتية من ريف حلب الشمالي حول “مطار منغ” الاستراتيجي. كما لم يخبره أحد من حاشيته عن الاحتمالات المفاجئة على الأرض في ريف اللاذقية ذاتها! بل ربما قرأ وطنّش. وعَلم وآثر التجاهل. رمى الحقائق جانباً وفضّل اطلاق بيان الوهم. وكانت زبدة طبقِهِ ترداد تلك المقولة البائسة عن “انتصاره” المأمول في “الحرب الارهابية العالمية” التي تشن ضدّه. ثم تأكيده بعد ذلك، ان الحل لا يُبنى إلا في الميدان بعد الحسم العسكري!

أصحابه الروس ناموا بعد الاجتماع الأخير في موسكو بين وزير خارجيتهم سيرغي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري. انزووا قليلاً الى الخلف وخفّفوا من طلاّتهم اليومية وتعليقاتهم المشينة على ما يجري في سوريا. وأرفقوا ذلك باستكمال الانزواء الميداني المعلن. أخرجوا ما تبقى من عناصرهم من مرفأ طرطوس وبدأوا في تسريب خبريات عن استخدام موانئ أخرى في حوض البحر المتوسط لخدمة أسطولهم المنتشر فيه. وقبرص ليست بعيدة عن طرطوس وفيها المطلوب ناقص الاحتمالات الخطرة للميناء السوري.

حلفاؤه الايرانيون مشغولون بالتسلّم والتسليم بين الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد والجديد الشيخ حسن روحاني، ومجسّات الرصد الاقليمي والدولي شغّالة بأقصى طاقاتها لرصد توجهات القيادة الرئاسية الجديدة، علماً أن هذه حملت معها وبمجرد انتخابها، وقبل أي كلام وشرح وتفصيل، ما يكفي من مؤشرات على أن السياسة الخارجية لطهران لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه. كما لا يمكن أن تستمر كما هي، تلك المعادلة الكارثية القائلة بتوزيع خيرات وثروات إيران على الخارج فيما أهلها يعانون ويئنّون ويشتكون!

لم يرَ رئيس السلطة السورية ذلك مثلما انه لم يرَ المعنى التام لقرار التسليح النوعي للثوار. ومثلما انه قبل ذلك كله لم يرَ ولم يستوعب انتهاء كل وظائفه المعهودة وتحطم كل منصّة يمكن له أن يقف عليها مستقبلاً حتى لو كانت ضمن بيئته نفسها!

الوصول بالمعركة الى ريف اللاذقية تطور لا يُقاس بميزان الحساب العسكري المتأرجح وحده، (والذي يمكن أن يتغيّر في أي لحظة)، بل يقاس بميزان الحساب السياسي والاعلامي والنفسي الأخير: من يدّعي ان الحسم العسكري هو طريق الحل لا يستطيع أن يسوّق نظريته ويعطيها أي صدقية طالما ان الحرب تدقّ باب بيته الأول في اللاذقية وريفها! ومن يحاول القول ان معركة حيّ الخالدية الحمصي كانت “فتحاً” سيدرّس في المعاهد العسكرية على مستوى العالم لا يستطيع أن يمنع التهكّم عليه من الوصول الى ذراه بعد هزيمته النكراء في “مطار منغ” الاستراتيجي في ريف حلب! ومن يحاول الايحاء أن معركته هي ذاتها معركة الروس في قلب موسكو، والإيرانيين في قلب طهران، لا يستطيع أن يفرض التغافل عن الانسحاب الميداني الروسي الفعلي من طرطوس ولا عن المؤشرات التي حملها ويحملها انتخاب روحاني!

لكن من يفترض أن تدمير بلاده ومسحها بالأرض هو “انتصار” له، يستطيع أن يفترض أي شيء آخر، سوى أنه بشريّ عاقل يعيش في هذه الدنيا!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل