#adsense

هبة مراد الكفيفة تُحرم حقّها في الامتحانات الرسمية هل انتحل المدير العام للتعليم المهني صفة “طبيب”؟

حجم الخط

هل كان اختيار هبة جمال مراد تخصص “الفندقية” دليلاً إلى أنها ليست ضريرة، أم أن لا شيء مستحيلا أمام أصحاب الإرادة القوية؟ غريب، لا بل عجيب ما حصل مع مراد قبل أن تتقدّم إلى الامتحانات الرسمية لشهادة “الفنون الفندقية للإنتاج” BT3 هذه السنة. تعرّفنا هبة عن نفسها راوية ما حصل معها، علّ هذه الحادثة تكون الأولى والأخيرة، لها ولتلامذة أمثالها، وتالياً، تنوّر بصائر كثيرين في موقع المسؤولية.

تخبرنا هبة أنها تعاني ضعفاً قوياً في بصرها منذ الطفولة، ولا تتجاوز نسبة الرؤية لديها الـ30 في المئة، تقول: “تعلمت منذ طفولتي في المدرسة اللبنانية للضرير والأصم في بعبدا لغة “البرايل”، أي طريقة اللمس، مع أنني كنت أتمكن من القراءة والكتابة بواسطة المكبّر الـ(Microscope) حتى صف البريفيه”. بعد ذلك ومع مرور الوقت، بدأ نظرها يتراجع تدريجاً، وباتت قدرتها على قراءة الأحرف أكثر صعوبة.

كيف تقدّمت إلى امتحانات الشهادة المتوسطة الرسمية العام 2010؟

“التحقتُ بمركز خاص لذوي الحاجات الخاصة، الذي تخصصه وزارة التربية لنا تحت إشراف لجنة متخصصة تقدّم التسهيلات التي تلائم حاجات كل المرشحين المعوّقين، فأنجزتُ المسابقات بواسطة البرايل”.

بعد نجاحها في تلك الشهادة، اختارت التخصص في الفندقية والتحقت بمعهد الـCIS للتعليم المهني فرع التحويطة، واصفة معاملة مدير المعهد والأساتذة لها على مدار ثلاثة أعوام بـ”الممتازة”، إذ أبدوا تعاوناً فريداً “كي أكون مستعدّة للتقدّم الى شهادة البكالوريا الفنية BT3 دونما عقبات وبثقة إسوة بسائر التلامذة”.

لكن ما جرى معها قبل الامتحان لم يكن متوقعاً ولا كان في الحسبان. افترضت أنها ستكون في المركز عينه، أسوة بزملائها من ذوي الحاجات الخاصة، وليس مع التلامذة العاديين في الامتحانات الرسمية، “وإذ بي أفاجأ لدى تسلمي بطاقة الترشيح التي تحمل الرقم 8370132 أن مركز الامتحانات هو في معهد بئر حسن ولن تؤمَّن لي أي تسهيلات باستثناء أنني سأكون معزولة في غرفة خاصة فقط لا غير”.

كيف واجهت هبة ظرفها الصعب قبل أيام معدودة من موعد الامتحانات؟

تجيب بأسى: “ترددت مرات عدّة إلى مكتب المدير العام لمديرية التعليم المهني والتقني أحمد دياب طالبة منه المساعدة عبر تخصيص شخص يقرأ لي أسئلة المسابقات ويدوّن إجاباتي على الكراس، وللأسف لم أتلق منه الا عبارات جارحة وتشكيك بأنني ضريرة”، مع العلم أنها زودته كل المستندات التي طلبها، بدءاً من بطاقة وزارة الشؤون الاجتماعية التي تُصّنف إعاقتها كفيفة، حتى لو أنها تبصر بنسبة متدنية، إلى إفادة من المدرسة اللبنانية للضرير، وتقرير طبي من الطبيب الذي يتابعها، وإفادة من وزارة التربية تؤكد أنها قدمت الشهادة المتوسطة الرسمية في مركز خاص بذوي الحاجات الخاصة، ومع ذلك رفض طلب هبة منتحلاً صفة طبيب، مؤكداً أنها ليست كفيفة، وأنه لا يلبّي مثل هذا الطلب إلا بشروط قاسية، وهو كان سيلبي طلبها “لو كنت عمياء كلياً”! وفق قوله.

بإزاء هذا الأسلوب اللاحضاري والتصرّف غير الأخلاقي، أُجبرت هبة على تخطي مشكلتها وأجرت الامتحانات بصعوبة بالغة رغم أنها كانت على يقين بأنها من الراسبين سلفاً. وفي أثناء جولة قامت بها المفتشة العامة من وزارة التربية سناء مكي، لفتت هبة نظر المراقِبة في الغرفة المعزولة، وقالت: “هذا المكان ليس مناسباً لهذه الفتاة، والأجدى أن تلتحق بمركز ذوي الحاجات الخاصة لتنال التسهيلات اللازمة”. وأكدت هبة أن الوزير حسان دياب والمدير العام أحمد دياب جالا على المركز وتفقدا الإمتحانات متجاهلين الغرفة التي كنت موجودة فيها.

“الهيئة الوطنية” لن تسكت

علمت “النهار” أن قضية هبة مراد وصلت إلى مصلحة شؤون المعوقين في وزارة الشؤون الاجتماعية، التي حوّلت المسألة إلى عضو مكتب الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين ابرهيم عبدالله، كونها الهيئة التقريرية والمرجعية التي تتابع قضايا المعوقين ومشكلاتهم، ويرأسها وزير الشؤون الاجتماعية.

يقول عبدالله في مداخلته: “ما جرى مع هبة مراد خطير جداً، ولا يحق للمدير العام للتعليم المهني والتقني أحمد دياب أن يُعيّر هبة على وضعها البصري، وهي تحمل بطاقة وزارة الشؤون وفق تقرير لجنة طبية أثبتت أنها ضريرة، لا سيّما وانها تابعت تحصيلها العلمي منذ الطفولة في مدرسة خاصة بالمكفوفين”، ودعا دياب إلى التوجه إلى المدرسة والإطلاع على ملفها، موضحاً أنها على هذا الأساس قدمت لها وزارة التربية التسهيلات المعطاة لجميع المعوقين أثناء تقديمها امتحانات الشهادة المتوسطة”. ويشير إلى آلية خاصة أصدرتها وزارة التربية بمسألة الامتحانات الرسمية لذوي الحاجات الخاصة، أكانت مهنية أو تربوية. ويرد في نص الآلية: “لكل معوّق حامل بطاقة الإعاقة، الخيار ما بين التقدم إلى الامتحانات الرسمية من طريق استخدام الكومبيوتر، أو “البرايل” أو من طريق الاستعانة بكاتب”. لذلك، يقول عبدالله: “لا يحق لك يا دياب التمييز ما بين شخص وآخر، كما لا يحق لك أن تقرر من يُبصر أكثر ومن يُبصر أقل”، ويصف هذه المشكلة، بـ”الكبرى” عندما يتخطى المدير العام تعليمات مجلس الوزراء التي صدرت الى كل المديرين العامين بإلزامية تطبيق القانون 2000/220. وفي حال لم يُعالج هذا الموضوع؟ يجيب، “سنلجأ في أول اجتماع تعقده الهيئة الوطنية إلى رفع شكوى إلى التفتيش المركزي عن ممارسات خاطئة لأحد المديرين العامين، وفق الحق الذي يمنحنا إياه القانون”. وقبل اللجوء إلى هذه الخطوة، وجّه عبدالله عبر “النهار” رسالة إلى السيدة رنده بري، واضعاً هذه القضية بين يديها، “لأنها عودتنا دائماً أن تكون من أوائل المطالبين بحقوق المعوقين”، غامزاً من قناة الشخص المحسوب على خطها السياسي، “الذي يخالف القانون 220 وبالتالي حرم تلميذة من أبسط حقوقها، خصوصاً وأن نظرها يتدهور في شكل دراماتيكي، وستجرى لها عملية جراحية قريباً”.

أحمد دياب: هبة ليست ضريرة!

وللمدير العام للتعليم المهني والتقني أحمد دياب وجهة نظر أخرى في الموضوع، وفي رأيه إذا كان التلميذ كفيفاً لا يختار تخصص الفندقية “لأن هذا المجال يتطلب بصراً لكثرة استخدام النار في إنجاز الأطباق”. ويقول: “في امتحان التطبيق العملي، تعاملنا مع هبة على أساس أنها ضريرة، وتبيّن أنها ليست كذلك بناء على تقرير رئيس المركز في التطبيق العملي، لذلك عدّلت قرار الامتحان الخطي وتشددت في الموضوع”. بعد ذلك، قرر إعادة درس الملف ووجد في تقرير الطبيب أنها ليست ضريرة كلياً إنما تعاني ضعفاً في البصر، “رغم ذلك، لم أتوان عن مساعدتها”، يقول، “وطلبت منها إفادة من وزارة التربية تشير إلى أنها التحقت في الشهادة المتوسطة بمركز لذوي الحاجات الخاصة وأنهم تعاملوا معها على هذا الأساس، فتبين أنها كانت في مركز عادي وأنجزت المسابقات في شكل طبيعي من دون مساعدة أحد، وبالتالي لم تحضر الإفادة! لهذا السبب رفضت تخصيص كاتب لها”.

ونقلنا إلى دياب ما قالته المفتشة العامة سناء مكي أثناء جولتها على مراد، فكان جوابه: “من حقها أن تقول ما تشاء، لكن نحن من يُدير الإمتحانات وليست هي، لو ارتأى رئيس المركز ضرورة لهذا الأمر، لكان طلب مني ذلك”. وبما أن المسابقات ليست متوافرة في طريقة “البرايل” ولا توجد تسهيلات أخرى لدى مديرية التعليم المهني، فيمكن لدياب مساعدتها في الدورة الثانية “من طريق تكبير الأحرف وعزلها في غرفة خاصة”.

دياب: سأصدر قراراً تنظيمياً

ما موقف وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال حسان دياب مما حصل مع هبة، كونه المطلع على نص القانون 220، وهو يسعى سنوياً إلى تطوير آلية الامتحانات الرسمية الخاصة بالمعوقين؟

يعتبر الوزير دياب موضوع ذوي الحاجات الخاصة وذوي الصعوبات التعلمية أولوية لديه، “أكان ذلك في تطوير الخطة أو العمل الميداني في الوزارة أو تعاطي الإدارة معهم”. تحت هذا العنوان، يقول: “بعدما أبلغت عبر “النهار” عن المشكلة التي واجهتها هبة مراد، وتفادياً لحصول مثل هذه المشكلات مع غيرها، سأعد قراراً تنظيمياً يشمل كل المعوقين في الرسمي والخاص مهما كانت حاجاتهم وصعوباتهم، وسأوجهه إلى المديرية العامة للتعليم المهني والتقني ولمدارس المديرية ومعاهدها أيضاً، بغية أن تكون لهذه الفئة الأفضلية في الانتساب، بوجود لجنة تعمل على الدعم اللوجستي والتأمين البشري وغيرهما من التسهيلات”.

أما بالنسبة إلى مراد، فهل سيتبدّل وضعها في الدورة الثانية؟

أجاب الوزير: “سأتولى قضية مراد شخصياً ريثما يسوّى وضعها من خلال تقديم التسهيلات التي تحتاج إليها في الدورة الثانية، وسأرفع هذا الطلب إلى المدير العام للتعليم المهني والتقني أحمد دياب للعمل بموجبه”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل