لعله عامل التقدم في السنّ، أو صراحة طبعت شخصيتها، ما دفع السيدة صونيا فرنجية الراسي إلى إبداء رأيها في الوزير جبران باسيل وحميه الجنرال ميشال عون بتعبير أحرج ابن شقيقها النائب سليمان فرنجية، حامل اسم جده الرئيس الراحل وإرث عائلته السياسي، فاضطر الرجل إلى التوضيح أن عمته عندما تصرح “إنما تتحدث باسمها الشخصي” لا غير.
رُغم ذلك يُسجّل للسيدة فرنجية الراسي أنها أضاءت على نقطة مهمة ومتمادية في موضوع العلاقات بين الجماعات اللبنانية على تنوعها. عندما قالت للمذيعة في محطة الرئيس نبيه بري التلفزيونية متحدثة عن باسيل وعون “نحن إقطاع يا ابنتي من هم هؤلاء؟”، أعادت إلى الأذهان واقعة حدثت عام 1977 في عز تحالف “الجبهة اللبنانية”. واقعة رواها مرة قبل سنوات طويلة أنطوان نجم واضع “فلسفة العقيدة الكتائبية” والذي تخلى عنها وعن الحزب لاحقاً، فحواها أن مؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميّل زار زغرتا تلك السنة فلاقاه أنصاره في المدينة من كل أنحاء القضاء وأشعلوا السماء برصاص الإبتهاج والأسهم، فامتعض الرئيس فرنجية ولم يستقبله فورا عندما وصل إلى قصره بل تركه ينتظر وصحبه نحو نصف ساعة. وعندما ظهر فرنجية أسمع ضيفه الجميّل كلاماً قاسياً، فتلفت الشيخ حوله مفكراً بالمغادرة، لكنه بقي لئلا تنفجر فورا بين رجاله ورجال الرئيس. ستنفجر بينهم لاحقاً سنة 1978 وليس 1977 وسيلزم الموارنة عقوداً لمحو الجرح العميق.
في ذلك اللقاء الغاضب قال الرئيس فرنجية للشيخ الجميّل بحسب الرواية، إن لبنان مكوّن من عائلات ولا ضرورة للأحزاب. رحمهما الله. بالتأكيد كان وقع ذلك الكلام شديداً على أكثر رجل في تاريخ لبنان، بشهادة المعجبين به حتى اليوم والخصوم، آمن بالعمل الحزبي والهرمية والانضباط. إلا أن الرئيس فرنجية لم يصل لحظة إلى حد اعتبار زعامته إقطاعية كزعامة آل جنبلاط، على ما ذهبت إليه كريمته السيدة صونيا بعفويتها اللافتة. كان يمثُل دوماً في ذهن الرئيس الراحل أنها زعامة انتقلت إليه بفعل مرض شقيقه حميد فرنجية، المثقف المتنور ورجل العلم الذي يكفي من منجزاته أنه بحق “أبو الليرة اللبنانية” و”الأونيسكو”. يروي الرواة أن شقيق الزعيم، سليمان فرنجية، الذي لم يكن يفارقه مسدسه كان يحرص على ألا يسير أحد مهما بلغ شأنه أمام “حميد بيك” أو يتقدمه في المجالس. للسيدة صونيا عندما تفاخر بأفضال عائلتها على لبنان أن تفاخر بعمّها كما فعلت خلال المقابلة.
سيظهر مع مرور الزمن أن الرئيس فرنجية كان على حق في شق من كلامه. فلبنان تحكمه تاريخياً عائلات سياسية. ولا يعني ذلك قطعاً أن لا ضرورة للأحزاب، إلا أنها موضوعياً واجهات لحكم العائلات. هل من ضرورة لتقديم أمثلة؟ في البيئة المسيحية لم تستقم أمور حزب الكتائب (هل استقامت؟) إلا بعودته إلى كنف العائلة التي تشكل الركن القوي في المثلث مع الله والوطن على المثال الإسباني. حزب الوطنيين الأحرار عرف محاولة محدودة وفاشلة للخروج من عباءة عائلة شمعون، وحزب الكتلة الوطنية يختصره عميده حفيد الرئيس إميل إده، بينما ذاب الحزب الدستوري مع نجل الرئيس بشارة الخوري. وما عادوا إقطاعيين آل الخازن وحبيش ولا حتى آل سكاف بل زعامات محلية تحاول أن تحافظ على مكان لها في وجه صعود الأحزاب، الجديدة خصوصاً مثل “القوات اللبنانية” و”التيار العوني”، والتي تحاول تجديد نفسها مثل الكتائب.
إلا أن واقع الأحزاب هذه يشير بالأكثر إلى نشوء بيوت سياسية جديدة أقرب إلى منطق التوارث الموروث بدوره من زمن الإقطاع، والذي يشبه نظام الإwمارات والمشيخات التي أصبحت دولاً في الخليج العربي. في غياب الأبناء يرتقي في التنظيم ودائرة القرار الأصهار، أو الأقرب عائلياً إلى رأس البيت – القائد. يختلف الأمر عند المسلمين السُنّة والشيعة على السواء. لا مفرّ من تسجيل الفضل الكبير للإمام المغيّب السيّد موسى الصدر وللرئيس الشهيد رفيق الحريري.