بداية، وبعيداً عن الكلام السياسي المباشر، اعتقد ان العناية الالهية، كان لها دور اساسي في تسلّم العماد ميشال سليمان منصب الرئاسة الاولى، وفي تعيين العماد جان قهوجي خلفاً له في قيادة الجيش، ولا يلزم في هذا الصدد سوى التفكير قليلاً، بما كان يمكن ان يحصل في لبنان، في ظروفه الداخلية الحالية والسابقة البالغة التعقيد والتوتر، وفي الظروف السورية والعربية الملتهبة، لو كان في سدّة رئاسة الجمهورية، شخصية محسوبة على 8 او 14 آذار، او شخصية سياسية او غير سياسية لا تتمتع بحكمة الرئيس سليمان وطول اناته وصبره ووطنيته وحياده الايجابي داخلياً وخارجياً، وبديموقراطيته ونظافة كفّه وخلقه وترفّعه عن الصغائر والحرتقات؟ انا شخصياً اعتقد ان لبنان كان انفجر قبل غيره من اي دولة عربية حصلت فيها احداث وثورات واضطرابات.
ما يصحّ على الرئيس سليمان، يصحّ في جزء كبير منه على العماد قائد الجيش بعد تسلّمه القيادة في العام 2008 خلفاً لسليمان، فبالاضافة الى مناقبيته وقدرته على القيادة والتوجيه والالتزام بالسلطة السياسية وتحييد الجيش عن الانغماس في سياسات الداخل، حرص على تأمين الامن والاستقرار للجميع، بدراية العارف بالمطبّات والمخاطر، وطبّق عليه ما حرّمه على الضباط والعسكريين، فانقذ الجيش من خطر التفكك والانقسام رغم الاحداث المذهبية القاتلة وكان للانسجام والتنسيق بينه وبين الرئيس سليمان الفضل الكبير في عدم سقوط الدولة بعد سقوط العديد من مؤسساتها، بحيث بقيت رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش فوق الجميع لتنطلق منهما مسيرة اعادة بناء الدولة على الاسس التي حددها سليمان في خطاب اول آب.
والاسس التي رسمها قهوجي اثناء اجتماعه امس الاول بالضباط في وزارة الدفاع باليرزة.
***
التوجيهات والتوجّهات التي سارع العماد قهوجي الى اعلانها بعد ايام قليلة من عيد الجيش وتمديد ولايته لمدة سنتين، تحمل الكثير من الخطوط العريضة والدقيقة لعمله على رأس المؤسسة العسكرية في السنتين المقبلتين، وقد حرص قهوجي في خلال لقائه امس بالضباط في وزارة الدفاع على شرح رؤيته لاوضاع لبنان، فاعتبر انه يمرّ بمرحلة خطيرة، ويعيش لحظات حرجة في تاريخه فيما النار تقترب منه، وهو لم يتجاوز مرحلة الخطر بل يقترب منها اكثر واكثر، ولكن هذا الواقع، حسب قهوجي، يحمّل الجيش مسؤولية اكبر في مجال الدفاع عن لبنان، في الداخل ضد الارهاب، وعلى الحدود ضد الاطماع الاسرائيلية، واي اعتداء على الوطن، من هنا كان تركيزه على ان المرحلة المقبلة، تتطلب التمسك بالثوابت الوطنية والمبدئية، وبالقواعد والمهام الملقاة على عاتق الضباط والعسكريين، دون ان ينسى تنبيه الضباط والعسكريين، الى انه ممنوع الاستزلام الى أي كان، وممنوع ان تمتد يد السياسة الى الجيش، وبعد ان تحدث عن البلبلة داخل الجيش، لفت الى ان القيادة ستكون متشددة في علاقة الضباط بالقيادات السياسية، وان الاتصال بها يجب ان يتم بموافقة القيادة، ووعد باجراء حركة تفعيل واسعة دا خل الجيش لقمع اي امر شاذ يسيء الى المؤسسة، وفي لفتة الى الاعلام، اعلن قهوجي حرصه على تفعيل علاقة الجيش بالاعلام، مع ادانته ورفضه لأي اعلام تحريضي او طائفي او فئوي.
كما ان الرئيس سليمان حرص في عيد الجيش على تأكيد مواقفه وثوابته الوطنية التي طالما اعلن عنها في مناسبات مختلفة، كذلك فعل العماد قهوجي في لقائه مع الضباط، وكأنهما شعرا في وقت واحد، انه لم يعد بالامكان التساهل مع مطلق فريق سياسي او مع مطلق طائفة او مذهب، بل ان هناك وطناً يحتضر، وايامه معدودة، ان لم تمتد اليه اليد القادرة على اقله، على وقف النزف المميت، عسى الايام المقبلة تكون خيراً مما مضى.
