ولا يختلف إثنان أيضاً على أن إنتفاضة وزير الخارجية عدنان منصور، والغضب الذي إنتابه تجاه ما أقدمت عليه إسرائيل، أمر مفهوم ومقبول لا بل هو مطلوب أيضاً، وكل اللبنانيين يشاطرونه الرأي بأن هذا الخرق يشكل إعتداء سافراً على سيادة لبنان وخرقا فاضحا للقرار 1701، لا بل هم يؤيدونه ويشدون على يده لجهة إعلانه أنه سيتقدم بشكوى الى مجلس الامن الدولي لاحاطته علما بهذا العدوان الجديد وتفاصيله وملابساته.
ولكن وبغض النظر عن رفض الصلف الإسرائيلي، والإعتراف للوزير منصور بتعاطيه مع هذا الأمر من منطلق مسؤولياته السياسية والوطنية، الا أن ما لم يفهمه اللبنانيون هو إستنسابية وزير خارجيتهم في تعاطيه مع الخروق، وحالة الإنفصام التي يعيشها في تعامله مع خرق السيادة اللبنانية، بحيث إذا كان المعتدي إسرائيل تقوم قيامته ولا تقعد، وهذا حقّ وواجب وطني أيضاً، أما إذا كان المعتدي على السيادة النظام السوري سواء في البقاع أو في الشمال أو في الداخل عبر خطف الإستخبارات السورية معارضين وإخفائهم، يبلع وزيرنا الميمون لسانه، ويصمت صمت أهل القبور.
يعرف الوزير منصور جيداً أن السيادة الوطنية لا تتجزّأ، فهي لا يمكن أن تكون كاملة في الجنوب ومنقوصة في عكار أو عرسال أو القاع، بمعنى آخر لا توجد في القاموس الدبلوماسي “سيادة بسمنة وسيادة بزيت” الا في قاموس منصور وفريقه. من يكون أهلاً لهذه المهمة السياسية والدبلوماسية لا يجوز أن تختلط لديه المفاهيم الى هذا الحدّ، ولا يستطيع الكيل بمكيالين، فإذ كانت حميته تحركت الى درجة المسارعة الى إعلان تقديم شكوى الى الأمم المتحدة حتى من دون العودة الى رئيس الجمهورية أو أقله الى الحكومة التي يتبع لها، وهذا ما هو موضع ثناء وقبول من آخر مواطن لبناني في آخر بلدة في الشمال والبقاع، فإنه من غير المفهوم ايضاً لدى آخر مواطن أن يسكت منصور عن عدوان النظام السوري على القرى والبلدات اللبنانية المستمر بلا إنقطاع منذ حوالي سنتين ونصف السنة، وأن يتجاهل عشرات الضحايا الأبرياء الذين سقطوا جراء هذه الإعتداءات، ويذهب الى حدّ تبرير خرق السيادة الوطنية ويضع نظام بشار الأسد في موقع المدافع عن نفسه، لا بل أن يذهب بعيداً الى حدّ رفضه تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، مرة عندما طلب اليه توجيه رسالة إحتجاج الى الجانب السوري رداً على الإعتداءات في عكار، ومرة أخرى عندما أوعز اليه رئيس البلاد إستدعاء السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي وإستيضاحه أسباب تعديات نظامه على السيادة وعلى المواطنين الآمنين، وفي المرة الأخيرة رفضه تقديم شكوى الى الأمم المتحدة رداً على قصف الطيران السوري لبلدة عرسال، والرد على خطوة الرئيس سليمان بإبلاغ هذه الشكوى الى ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي والى جامعة الدول العربية بحملة سياسية وإعلامية وصلت الى حدّ تهديد رئيس البلاد وإتهامه بالخيانة العظمى وطلب محاكمته من كل أتباع النظام السوري في لبنان.
يفترض بالوزير منصور أن يكون على علم ودراية بمفاهيم السيادة، ويفترض أيضاً أن يعرف أنه إذا كان إنتهاك السيادة الوطنية مرفوضاً من قبل العدو، فهو لا يكون مبرراً من قبل الصديق أو الشقيق على الإطلاق، فالولايات المتحدة رغم علاقات الصداقة وحسن الجوار التي تربطها بالمكسيك أو حتى كندا، فهي لا تسمح بالتسلل الى أراضيها أو إختراق سيادتها البرية أو الجوية أو البحرية أياً كانت الأسباب، ومثل هذه الحالات تقود أحياناً الى حروب حتى بين الحلفاء، هذه المعايير تطبق ليس بين دول أميركا وأوروبا وأفريقيا، بل حتى في الدول العربية، لكنها تختلف عند الوزير منصور وحده الذي وعقب كل إعتداء سوري على السيادة اللبنانية “يستضيف” السفير السوري، ويسخر منبر وزارة الخارجية له، ليشن هجوماً على الدولة اللبنانية من رئيسها حتى آخر مسؤول فيها، ويحول لبنان الى معتدٍ ونظامه الى معتدى عليه.
إذا كان وزير الخارجية لا يدري هذه الأمور التي تكون في “ألف باء” العمل الدبلوماسي الذي يتبوأ حقيبته في لبنان فتلك مصيبة، ومعنى ذلك أن من يشغل مثل هذا المنصب السيادي ليس أهلاً له، أما إن كان يدري فالمصيبة أعظم، لأن مثل هذه الأعمال التي يقدم عليها ترقى الى مرتبة الخيانة الوطنية التي تعرضه للمساءلة والمحاسبة، الا إذا كان منصور ومن يقف وراءه ويغطي تجاوزاته يعتبرون أن لا دولة في لبنان تحاسب وتحاكم، وهم بذلك ماضون في نهجهم هذا الى أن يأتي الله أمراً كان مفعولاً.