#adsense

الشرق الأوسط على أبواب تسوية جديدة

حجم الخط

 

تبدو منطقة الشرق الأوسط بكاملها على أبواب مرحلة تسوية جديدة كثرت مؤشراتها، من سقوط رهان الولايات المتحدة والدول الأوروبية على عصب يستند الى الإسلام السياسي، الى انحسار أمل روسيا وإيران بإمكان استعادة الرئيس السوري بشار الأسد سيطرته على بلاده، الى استئناف المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين للبحث في أسس حلّ نهائي للصراع بينهما.

فتجربة حكم “الإخوان المسلمين” الاستئثارية في مصر لم تدم أكثر من عام. وهي التجربة التي انطلقت بدعم دولي باعتبارها من نتائج “الديموقراطية” الانتخابية بالمفهوم الغربي والتي أفقدت إيران إحدى أوراقها المهمة أي حركة “حماس” الفلسطينية المنبثقة من حضن الحكم الوليد. لكن موازين القوى الجديدة، اضافة الى ما تشهده تونس رغم بعدها الجغرافي، فرضت على الدول الكبرى اعادة النظر في مخططها والبحث عن تصور بديل يتطلب تبلور ركائزه فترات انتقالية غير واضحة المعالم، خصوصاً أن استتباب الأمور يتطلب سنوات طويلة اذا تذكرنا الثورة الفرنسية التي استمرت عقوداً بعد أن أسقطت الباستيل وأطاحت بالملكية وتلاها إرهاب روبيسبير ودانتون.

أما روسيا، ومن خلفها إيران، فقد استهانت بـ”مؤتمر جنيف2″ الدولي للبحث في حلّ الأزمة السورية بعد تحقيق نظام الأسد تقدماً ملموساً في الأشهر الأخيرة، تجلّى في استعادة القصير ومنها ما تبقّى من حمص اضافة الى تقدّم في ريف دمشق، باعتبار ذلك مقدمة لاستعادة سيطرة النظام على الأرض وبالتالي انتفاء حاجته للمرحلة الانتقالية التي نصّ عليها بيان “جنيف1” وتقضي بتفويض الرئيس صلاحياته الى حكومة موقتة جامعة.

اما الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على اسرائيل والفلسطينيين لاستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة فتدل على قناعة مستجدة لديها بأن كل المتغيرات التي تفجّرت مع الربيع العربي لم تفلح في إلغاء الحضور الأساسي للصراع العربي – الاسرائيلي في أي تصور جديد للمنطقة.

لكن التقدم المفاجئ في الأيام الاخيرة للثوار قضى على الامل باستعادة السيطرة ونتائجها. فبعد استعادتهم لمعظم الريف الدمشقي سيطر الثوار على مطار منّغ العسكري في حلب رغم فشلهم في ذلك نحو تسعة أشهر، خصوصاً أن التحكم بهذه البقعة يفتح الباب واسعاً أمام حرية الانتقال من الحدود التركية الى حلب التي وضع النظام نصب عينيه استعادتها بعد حمص. وفي خطوة ذات رمزية كبيرة شن الثوار هجوماً صاعقاً على معقل العلويين في ريف اللاذقية الساحلية مما أثمر انهياراً في معنويات البيئة الحاضنة للنظام إذ أجبر سكان قراها على النزوح. ورمزية هذه الخطوة تكمن في كونها تطال مناطق تضم مسقط رأس الأسد ورفات والده اضافة الى كونها تقطع واسطة العقد الضرورية لإقامة “كانتون” طائفي قد يلجأ إليه الأسد في آخر المطاف. وتضيء انجازات الثوار الاخيرة على نقطتين رئيستين: أولاً أن السلاح النوعي بدأ فعلياً بالوصول بغضّ النظر عن المواقف المعلنة من هذا الموضوع والمخاوف من سقوطه بيد التكفيريين، وثانياً عجز الأسد عن استعادة السيطرة.

واستعادة التوازن هذه تحيي مجدداً “جنيف2” للبحث عن حلّ سياسي رغم التعنت الروسي الظاهر. فالرئيس فلاديمير بوتين استقبل شخصياً الامير السعودي بندر بن سلطان بحفاوة بالغة رغم معرفته بالتشدد السعودي تجاه نظام الأسد.

وتزامنت هذه المتغيرات مع وصول رئيس اصلاحي الى سدّة الحكم في ايران خصوصاً أن فوزه يؤشر الى وعي ولاية الفقيه لتغير المزاج الشعبي وتفاقم الوضع الداخلي مما حال دون محاولتها تزوير الانتخابات كما فعلت عام 2009، في محاولة لامتصاص الأزمة الداخلية خصوصاً الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية التي تتفاقم بتفاقم آثار العقوبات الدولية.

وتضع سيطرة الثوار على منّغ “حزب الله” امام استحقاق تطبيق مقولته بحماية القرى الشيعية لانها تؤدي الى انكشاف بلدتي نبل والزهراء حيث يتمركز مقاتلوه، خصوصاً أن أمينه العام اعتبر نفسه قبل أيام مجرد ممثل للشيعة بعد أن كان مستتراً في جلباب العروبة والعالم الاسلامي.

أما محلياً فالأفق لا يزال يبدو مقفلاً في وجه تشكيل الرئيس تمام سلام حكومة جديدة رغم حساسية المرحلة الأمنية وتورط “حزب الله” الذي حوّل البلاد الى جبهة، وإن غير مشتعلة، من جبهات الحرب السورية.

رغم ذلك فقد فتحت المتغيرات الإقليمية الباب محليّاً أمام “خيارات جديدة” لتشكيل الحكومة كما أعلن النائب وليد جنبلاط الذي طالما نادى بحكومة ترضي “حزب الله” وإلاّ يكون هو خارجها. وكذلك موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي اعتبر الحكومة “الحيادية” كأنها تطبيق للمثل القائل “آخر الدواء الكيّ”. هذه المواقف لا بدّ وأن تقضي على تشدّد “حزب الله” في فرض الفراغ عبر سلسلة التمديدات التي هندسها من التمديد للمجلس النيابي الى التمديد لقادة الاجهزة الامنية. وبالتالي يصبح الوصول الى “حكومة الامر الواقع” التي لا نتمثل فيها ولا تتمثلون فيها” كما قال الرئيس سعد الحريري، اقرب فعلياً من حكومة تغطي تورط “حزب الله” في سوريا وتحصنه في مواجهة تُهم الارهاب التي توسعت من اميركية الى خليجية الى اوروبية وإن طالت فقط “جناحه العسكري”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل