#adsense

بإنتظار عودة الإبن الضال إلى مواقع الوطن

حجم الخط
 

يحلو لبعض الإيرانيين في هذه الأيام، التنطح  للتشبه بالإتحاد السوفياتي القديم، وما كان له من مكانة ودور، مع إعراب متشوف عن أن دولتهم باتت تحل محله، وأن زعامة العالم، تنحو إلى أن تكون منحصرة بالولايات المتحدة الأميركية، وبمشروع الإمبراطورية الفارسية.

إن لم يكن ذلك من الواقع في شيء، فهو على الأقل، طموح إيراني جامح، وحلم ليلة صيف حارة، باتا يداخلان مخيلات القيادات الإيرانية، وبعض الجامحين الإيرانيين. أولم يصل بهم الجموح إلى حد امتدت به الأيادي الإيرانية إلى كل من لبنان والعراق، فشكلت فيهما مراكز متحكمة، طموحا إلى أن تكون يوما ما، مراكز حاكمة؟ أولم تحاول إيران أن تمد أصابعها وأظافرها إلى بلدان الخليج العربي محركة فيها الأقليات الشيعية والمعارضات السياسية، ومختلقة فيها الإشكالات المحلية وعامدة الى تضخيمها وتأزيمها إلى مشاكل بأحجام مقلقة.

أولم توظف التابعين لها في كل من لبنان والعراق وسواهما ليكونوا جنودا وجيوشا لدى الولي الفقيه، يغزون  دولة شقيقة، بالرغم من إرادات دولهم وقطاعات كبيرة من شعوبها.

أولم تحاول إيران، أن تحتكر القدس والقضية الفلسطينية وأن تحمل لواءها في محاولة منها لتزعّم القضية وتزعّم المنطقة من خلال احتوائهما تحت جوانحها الفارسية، طمعا في مد بيارقها إلى العالم العربي وما أمكن من العالم الاسلامي، متنكرة ومتخفية في هذا السبيل، بقناع القضية الفلسطينية.

…ولكنه طموح تنقصه الواقعية، والنظرة البعيدة والواعية  للأمور.
فإيران اليوم على ما أحرزته من تقدم، في دنيا السلاح والصناعة العسكرية الحديثة وعالم الصواريخ والطموح المستمر إلى امتلاك القنبلة الذرية، ومد اليد الفارسية إلى أقصى ما تطول من أراضي ودول الغير، إلا أنه طموح عاطفي مضطرب، لا يمنع أحدا من أن يستخلص الواقع المر من الواقع نفسه، من معالمه، من أرقامه، ومن آثاره الحالية والمتوقعة.

يستخلص ذلك من أمور كثيرة لعل أهمها:
– تدهور العملة الإيرانية، الذي  وصل إلى ما يكاد أن يناهز أربعة أضعاف قيمته.
– البطالة التي وصلت الى  ما يفوق نسبة الـ 20% من الشعب الايراني.
– الأزمة المعيشية والحياتية، التي باتت أزمة خانقة تركزت في المدن ووصلت إلى أقاصي الأرياف.

– التلاشي الذي يطاول  الثروة الإيرانية، من خلال الأموال الطائلة التي تبذل بلا حساب، في أماكن عدة من العالم، وفي طليعتها، ما تبذله إيران لسوريا ولحزب الله وأعوانه وللعديد من الدول والأفراد الذين تسعى المخابرات والأجهزة الإيرانية المختلفة إلى اكتسابها وإلى توظيفها لمصلحة أهدافها ومطامحها. ومن المعروف أن الوضع  السوري، بات يلتهم الثروات الإيرانية، فضلا عن التهامها في الداخل من خلال الصرف اللامحدود على التسلح المتعاظم وعلى تكاليف الطموحات النووية الإيرانيـة، وقـد وصل الأمر بهذا الخصوص إلى حد بروز مناهضات شعبية واسعة، إعترضت على واقعـها المتردي  بوسائـل الإتصال الإلكترونية ومن خلال الصحف وبعض المظاهرات الإحتجاجية المطالبة بالإرتداد إلى الداخل، وتحويل  المصاريف الخارجية المبذولة دونما حساب، إلى حاجات الوطن والمواطنين الذين بات الكثيرون منهم في أشد أحوال المعاناة.

ولا بد في هذا الخصوص من أن نستذكر سقوط الإتحاد السوفياتي بدوافعه وبأسبابه الحقيقية، حيث أن الوضع الإقتصادي قد تدهور آنذاك، إلى حدود جعلت  من استمراره أمرا صعبا بل مستحيلا، فكان السقوط المدوي الذي عهدناه وعرفناه  جميعا، وكانت السياسة الاميركية ومنهجيتها والكماشات التي أطلقتها من حول الإتحاد السوفياتي فأطبقت بها على أنفاسه، في اكثر من ميدان وقطاع، هي وراء التدهور والزوال اللذين حصلا وتأصلا واستمرا، تاركين المجال أمام أوحدية القيادة العالمية للولايات المتحدة الأميركية.

وها هو الولي الفقيه السيد خامنئي، بعد مرور خمسة وعشرين عاما على وجوده  في موقعه، حاكما مطلق السلطات والصلاحيات والتحكمات، وقد بات مترنحا أمام المواقع والمواقف الشعبية، بعد أن استهلكته الأحداث، ومرّ عليه الزمن ووصل به الوضع الإقتصادي والمعيشي إلى وضعية تمكنت الإرادة الشعبية من خلالها من إيصال من مكنتها الظروف من إيصاله ممثلا برئيس الجمهورية الجديد السيد حسن روحاني، وهو المعروف باعتداله  النسبي وابتعاده عن التطرف الذي اتسم به عهد سلفه احمدي نجاد، في الوقت نفسه الذي عرف فيه بانتمائه إلى صفوف الولي الفقيه ومماشاته له، ولو كانت الإرادة الشعبية الإيرانية قد تمكنت من إيصال أحد المعارضين الواضحين والكاسحين في معارضتهم لفعلت، ولكن  الحرم الذي القي على كل معارض حقيقي من خلال منعه من الترشيح، قد حال دون تجسيد إرادة شعبية كاسحة، وضعت من حولها الحدود والسدود، فما أمكنها إلا الممكن من خلال إيصال المعتدل النسبي الرئيس روحاني الذي بدأت تصدر عنه إشارات متناقضة، فهو تهيأ لزيارة المملكة العربية السعودية فتحاً لبعض خطوط التواصل والتفاهم معها، في الوقت نفسه الذي أبدى فيه دعمه المطلق لنظام الرئيس الأسد بشتى وسائل  الدعم والمساندة.

والذين يتذكرون ويذكرون الاتحاد السوفياتي، ويحلمون بأن يرثوا ما كان له مـن أوضاع مماثلة ومواجهة للولايات المتحدة الأميركية ومن موقع دولي طائِل وفاعل، عليهم أن يتذكروا في الوقت نفسه، أنه نظام شمولي، وقد زال من الوجود تماما، لأن الظروف الإقتصادية المتدهورة، وثورة الناس على الأوضاع، الدكتاتورية  السائدة  وتحكم الحزب الواحد بما خالف التوجه الشعبي العام، قد أوقع الإنقلاب وحقق للشعب غلبة وسيادة. ولعل الرئيس حكيمي يتمكن من إيصال الحكمة والموعظة الحسنة إلى مسلكية الحكم الإيراني، لأن ذلك قد يؤدي في ضمن ما يؤدي إليه، إلى تشذيب غزوة حزب الله لسوريا وتعقيل انطلاقتها العشوائية والانتحارية، النابعة من المعين الإيراني المعروف… آنذاك، يمكن للبنان أن يبدأ بالعود الى أوضاعه شبه الطبيعية وإلى تمتين استقراره وإلى سعيه لقيام دولة تنهض به مبنيـة على أسس سليمة ومتوازية ، تعيده إلى الوجود، دولة طبيعية قادرة على الحياة والإستمرار. إن لبنان بانتظار شيء من الحكمة والعقلانية، والموقف الوطني الصافي والخالص، كل ذلك، بانتظار… عودة الابن الضال من الخارج  إلى مواقع الوطن  السيد الحر المستقل، وليبدأ اللبنانيون جميعا، مسيرة الإنقاذ والخلاص الحقيقية.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل