أكثر من 30 عاماً، خاض “حزب الله” حروب إيران والنظام السوري بالوكالة :
بدأ بتدمير ثكنتَي الفرنسيّين والأميركيّين في بيروت، ثمّ السفارة الأميركيّة، وخطْف الأجانب والطائرات .
وتابع حرب إيران والنظام في انتزاع “المقاومة الفلسطينيّة” من ورثة ياسر عرفات، و”المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة” من ورثة كمال جنبلاط، و”أفواج المقاومة اللبنانيّة – أمل” من ورثة موسى الصدر .
جمع كلّ “المقاومات” في قبضته، وحين استتبّ له الأمر فتّش عن شعار إضافي فكانت “الممانعة”، في إطار “جبهة عالميّة” لمواجهة غرب “الإستكبار”، من الأرجنتين إلى بلغاريا ونيجيريا…
وتحت شعار “المقاومة والممانعة” ضدّ إسرائيل، يستكمل “حزب الله” حربه الأخيرة ضدّ العرب، من الخليج والعراق ومصر وسوريّا، إلى لبنان.
ومن السهل أن نلاحظ كيف درّب (أو درّبوا له) عشرات آلاف المقاتلين، وزوّدوه بعشرات آلاف الصواريخ، وموّلوه بعشرات آلاف المليارات، ودائماً بحجّة محاربة إسرائيل (حتّى إزالتها من الوجود!)، ثمَّ تحويل كلّ هذه الطاقات نحو الداخل اللبناني والسوري، والخارج العربي والأوروبي والدولي.
ومن السهل أن نلاحظ أيضاً كيف ترفده إسرائيل بمساعدة إعلاميّة سياسيّة (وضمناً مخابراتيّة)، كلّما عانى ارتباكاً أو ضعفاً أو انكشافاً في حقيقته.
هناك دائماً مسؤول إسرائيلي ما، أو ضابط، أو كاتب محلّل، أو تقرير مخابراتي، أو قناة إخباريّة (آخرها العاشرة عن خطر خطف جنود).. في جهوزيّة لتصوير “حزب الله” عملاقاً يهدّد إسرائيل، وعدوّاً شديد الخطورة. وإذا لزم الأمر، القيام بتوغُّل هنا، أو تفجير لغم هناك، فيسارع إعلام “الحزب” إلى تلقّف الحادث والترويج للكلام الإسرائيلي، من أجل إيهام الرأي العام بأنّه الساهر الدائم و”المقاوم الممانع” الأوّل برغم انشغاله في الحرب السوريّة. وكلّها حرب تصريحات وتقارير إعلام، في تبادل الخدمات .
والملاحظة الأهم هو الهدوء التام في الجنوب منذ 7 سنوات، في حالة وصفناها مراراً بأنّها حالة جولانيّة يقلّد فيها “حزب الله” ويستلهم شريكه الأقدم، نظام آل الأسد، ولداً عن والد. فلا حاجة تدفع إسرائيل إلى الحرب، كلما لجأ نصرالله إلى التهويل، ولاقته هي بالتهليل. هو يتكفّل بحروبها، فماذا تريد أكثر؟!
ولكنْ، لماذا حربه في سوريّا هي آخر حروبه، أليست وظيفته الحرب الدائمة، ما بعد بعد سوريّا؟
في الواقع، لا حرب بعد الحرب السوريّة: فإمّا أن يتوّج “حزب الله” فيها “انتصاراته” ويرتدّ على الداخل اللبناني لاستكمال الحلقة الأخيرة من الدولتين التوأميْن العلويّة والشيعيّة، وإمّا أن يعود خائباً مهيض الجناحيْن إلى حجمه اللبناني الأوّل، مخلوع الأنياب، مشرّع الأبواب.
وليس خافياً أن التطوّرات الميدانيّة الأخيرة من حلب إلى اللاذقيّة إلى دمشق، وما يُنتظر نوعيّاً منها في الأسابيع المقبلة، لا تعزّز آمال “حزب الله” والنظام وإيران.
لقد بذل هذا الثلاثي أقصى قدراته في حرب السنتين، وتحديداً في الشهريْن الأخيريْن، مسنوداً بتسليح روسي إستثنائي. وليس في العلم العسكري ما يقول إنّ هناك قدرات غير منظورة ستقلب الموازين لمصلحة النظام مرّة أخرى، بينما تتّجه المعارضة إلى تسلّح نوعي وتماسك تنظيمي قيادي.
فالمرحلة الآتية لا يمكن أن تكون مع نظام أعطى كلّ ما عنده، وبات سلاح المعارضين يهدّده في حركته بين قصوره في دمشق وريفها. كما بات غريمه أحمد الجربا يؤدّي صلاة الفطر فوق أنفه في درعا.
نعم، قوّات الحرس الثوري الإيراني، مع الوحدات العراقيّة واللبنانيّة التي زجّها في الحرب، والأسلحة الروسيّة، أنتجت ما أنتجت في القصير وحمص وبعض محيط دمشق، ولكنّها لا تملك المزيد. فالميزان هو بين كفّتين صاعدة وهابطة، وهناك كفّة مرشّحة لمزيد من الهبوط .
قد يلجأ “حزب الله” إلى تغطية ورطته بانتقامات هنا وهناك، وآخرها خطف الطيّار التركي ومساعده باسم “مجموعة زوّار الرضا” (عودة إلى السيرة الأُولى بخطف الأجانب)، والمزيد من العرقلة الحكوميّة والتشدّد السياسي والعراضات المسلّحة والحواجز وتوجيه الرسائل – الصواريخ.. ولكنّ كلّ ذلك لا يغيّر مسار الحدث، وخاتمته المحتومة.
فلا أفق لأيّ حرب أمامه، بعد الحرب السوريّة، عملاً بالقاعدة القائلة: انتهت الحرب بانتهاء المحاربين .
ودائماً كان قادة الحروب الخاسرة في التاريخ، يحتفظون بقارورة السمّ لأمعائهم، أو بالطلقة الأخيرة لرؤوسهم.
وإلاّ .. فأيدي الثوّار تسحبهم من الحُفَر والمجارير، أو تُعلّقهم على المشانق، أو تُشفق عليهم برصاصات الرحمة.
