من الخارج تراها كالأشباح وتُفَكِرُ لبُرهة بأنها قندهار لبنان كما يصفونها أو كما يريدون لها أن تكون، أما هي فليست كذلك أبداً بالرُغم من الجوّ العام الذي يُسيطر عليها اليوم وهو موقت ولن يدوم. ما يجمع الطرابلسيون اليوم دون إستثناء هو غياب الإنماء بشكلٍ عام عن المدينة، بدءً من تنظيم السَير فيها مروراً بغياب الإضاءة الدائمة عن الشوارع الرئيسة وصولاً إلى الحرمان الذي يُخيِّمُ على أكثر من نصف سكان المدينة غيرَ متناسين تبعات الأزمة السورية عليها من تحول في المزاج الفكري للمواطن الطرابلسي وصولاً إلى إنخراط المهجرين السوريين غير المُنَظَم في المجتمع الطرابلسي وسلبياته على المدينة.
وهنا أتمنى أن لا يُزايد الكثيرون على العبارة الواردة آنفاً فحقّ المواطن الطرابلسي يبقى الأساس وتنظيم وجود اللاجئين واجبٌ على الدولة بالطُرُق القانونية المحلية والدولية منها. حين نبدأ حديثنا عن تنظيم السَيّر يتبادر إلى زهننا تلك الإشارات التي نُصِبَت على الطُرقات في داخل المدينة ولم يتم تشغيلها يوماً لأسبابٍ مجهولة، ألا تكفي هذه الإشارات لتخفيف أكثر من نصف الإنفلات التنظيمي للسَير أقلَه في بداية الأمر، أم أنَّ المواطن الطرابلسي لا يستحق؟ سؤال برسم المعنيين. أما فيما خصَّ إضاءة المدينة فلا بُدَّ للقَيِّمين على المدينة من إستغلال الطاقة البديلة المُؤَمنة على مدار العام لتغذية الإضاءة على الطُرقات بِحَدٍ أدنى مما قد يُخفف أقلهُ من حوادث السَير المُتكررة ويُعطي رونقاً جميلاً للمدينة، أما في ما خَصَّ التمويل فالتوجه لصناديق الدُوَل الأجنبية المانحة والمساهمة في تطوير المجتمعات النامية والمُعَرَضة للتدهور نحو المجهول هو السبيل الأوحَد والأسرَع لهكذا مشاريع، إضافةً إلى رفع يدّ السرقة والمحاصصة في المشاريع لإعادة كسب الثقة المفقودة.
أما الحرمان فلا يُحارب إلا بتطوير عمل الوزارات ووضع خُطط عَمَل تُعنى بحياة المواطنين من طبابة وتعليم وفُرَص عمل وتنظيم العمالة الأجنبية في لبنان لحماية حقوق العمال المحليين. غياب جميع هذه الحقوق أدى لضائقات مالية بين المواطنين إستغلها البعض لنشر فكر الكفر بالدولة بطُرُق وأساليب مُختلفة مستفيداً من توقف عجلة الزمن لدى أكثر الفرقاء السياسيين في المدينة نظراً لعدم وجود إستحقاقات سياسية مهمة أو لجمود سياسي يُسمى بالبُنية التنظيمية الجديدة وإعادة بناء هيكلية جديدة في مكانٍ ما، أو لإنشغالٍ ما بتأمين السلاح لمناطق الإشتبكات أو غيرها من الأعذار التي تصب في عكس تيار الفقير والمحتاج لدواء وإستشفاء وفُرصة عمل ليعيش بكرامة.
يشتكي اليوم المواطن اللبناني بشكلٍ عام والطرابلسي بشكل خاص من غياب أول وأهم عنصر الحياة ألا وهو الصحة والإستشفاء، وتعُج مكاتب السياسيين بطلبات المساعدات الصحية التي لو تؤمن لجميع المواطنين لكانت كفيلة برفع اليد عن تلك الزعامات السياسية والتشويه الذي تنشره في مجتمعٍ مُثَقَف إلى حدٍّ ما ولن يقبل الإستمرار بهذه السياسية الغائبة عن شؤون المواطن في المدينة.
باتت طرابلس اليوم منسية ولا تُشبه طرابلس الغَدّ ولن تكون كذلك طرابلس المُستقبل، ولكنها كذلك لن تُشبه الوجوه الحالية المُستبدة بها وبشعبها الذي بات اليوم لا يُشبه تاريخه فمدينة العلم والعلماء لم تؤمن يوماً بالتقاتل ولا التشدُد المنسوب لها اليوم.