يعرف تحالف قوى 8 آذار، وقائده “حزب الله” قبل غيره، أن الاستقطاب السياسي الحاد في البلد لا يمنع فقط تشكيل حكومة فاعلة وإجراء انتخابات نيابية في موعدها وتعيين بعض كبار الموظفين الأمنيين وغير الأمنيين، إنما أيضاً ضمان الحد الأدنى من الحياة الطبيعية للناس، إن في ما يتعلق بالأمن العام والشخصي لهم أو في ما يتصل بالاقتصاد والمال والاجتماع والحقوق الأساسية.
مع ذلك، يرفض هذا التحالف مبادرة الرئيس سعد الحريري الداعية لتشكيل حكومة من خارج الاستقطاب الحاد هذا، ويصر في المقابل على حكومة تتناقض معها تماماً، “تعكس الأحجام والأوزان” كما يقول، من دون أي اهتمام بحياة الناس ولا حتى بالتجارب المرّة التي مرت بها حكومات من هذا الطراز على امتداد الأعوام الماضية… فضلاً عن تجربته في الحكومة التي شكلها هو من لون واحد، ولم تستطع بالرغم من ذلك الخروج من حالة الاستقطاب في الشارع، فاستقالت غير مأسوف عليها.
لماذا يتمسك تحالف قوى 8 آذار، وعملياً قائده “حزب الله” أولاً وقبل الآخرين، بمثل هذه الحكومة الآن؟.
هناك أسباب عدة، لكنها تتلخص في النهاية بعبارة واحدة هي الرغبة بامتلاك وثيقة “براءة ذمة”، أو حتى شهادة “حسن سلوك”، عن الكم الهائل من الأخطاء الخطايا التي ارتكبها الحزب والتحالف بحق لبنان في خلال السنوات الماضية:
يريد الحزب، أولاً، إبلاغ العالم بأن مشاركته في الحكومة لا تعني إلا قبولاً (عملياً، وإن لم يكن رسمياً) من الدولة اللبنانية بتدخله العسكري في القتال الى جانب النظام السوري، وبأنه وإن لم يتخذ قراره التدخل بعلم هذه الدولة أو بالتشاور معها، فلن يتحمل وحده بحسب ما قال أمينه العام السيد حسن نصرالله رداً على منتقديه النتائج التي ستترتب عنه ولا تبعاته السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية في المستقبل.
ويريد ثانياً، وفي السياق عينه، إبلاغ هذا العالم بأن قرار الاتحاد الأوروبي وضع ما يسمى “جناح الحزب العسكري” على لائحة الإرهاب، بعد قرارات مماثلة من الولايات المتحدة واستراليا وكندا، لا يعني شيئاً لا بالنسبة له كحزب ولا بالنسبة للحكومة اللبنانية التي يشترك فيها. وإذا كان السيد حسن قد علق على القرار الأخير بعبارتين ساخرتين، إحداهما بأن “يسلقوه ويشربوا ماءه” والثانية بأنه قد يسمي وزراءه في الحكومة من هذا الجناح العسكري بالذات، فلا يعني إصراره على المشاركة في الحكومة في هذه الفترة إلا أنه يريد تحميل لبنان كله تبعات هذا النوع من الهزء بالاتحاد الأوروبي وبالدول الأعضاء فيه كل على حدة.
ليس ذلك فقط، بل يريد الحزب وحلفاؤه الحصول عبر مشاركتهم في الحكومة على “براءة ذمة” عن كل ما اقترفته سياساتهم وممارساتهم من خطايا بحق لبنان منذ العام 2006 وحتى الآن.
ومن وجهة النظر هذه، فلم تكن غزوة 7 أيار على بيروت والجبل إلا “يوماً مجيداً” في تاريخ لبنان وفقاً لما قال السيد حسن في حينه، وإن كان قد تراجع عن هذا التعبير بعد أن تعمد البعض إساءة فهمه كما ذكر في وقت لاحق!.
كما لم يكن الانقلاب على اتفاق الدوحة، وارتكاب فعل الاستقالة مما سمّي بـ”حكومة الوحدة الوطنية” التي شكلت بموجبه، خطيئة سياسية بامتياز (هل هي سياسية فقط؟!)، ولا كذلك ما تلى هذا الانقلاب من استخدام للقمصان السود في وضح النهار من أجل الانفراد بالسلطة من ناحية، والإعلان بلسان السيد حسن نفسه أن ما كان في السابق لن يعود البتة مجدداً من ناحية ثانية!.
كما لم تكن سلسلة الجرائم التي ارتكبت، أو كادت ترتكب، في لبنان وعلى حساب أمنه واستقراره ووحدته الوطنية… من تلك التي قررها علي المملوك وميشال سماحة، أو التي أدت الى اغتيال اللواء وسام الحسن، أو التي كشفت عن لغم موقوت ينفجر كلما دعت الحاجة في طرابلس… وكلها محسوبة على أطراف محلية أو إقليمية في تحالف 8 آذار، من نوع الجرائم التي يجب أن يُحاكم مرتكبوها لا أن يستحقوا عليها أوسمة أو مقاعد وزارية!.
وبالقدر ذاته، لم تكن مقولة “الثلث المعطل” التي خضعت الحكومات السابقة كلها لسيفها، تشكل أي خطيئة بحق لبنان، وتالياً أزماته المستعصية الراهنة… أقله لأن أحد أطراف هذا التحالف، الرئيس نبيه بري، قال في المدة الأخيرة إنه لم يعد ولا التحالف الذي ينتمي اليه يتمسكان بها!.
كذلك، لم تعد بطاقة الرحلة الواحدة (one way ticket) التي قال قادة التحالف، كل على طريقته وبلغته، إنهم قطعوها للرئيس سعد الحريري تعني شيئاً الآن… أقله أيضاً لأن الرئيس بري قد دعا الحريري للعودة الى بيروت، وقال إنه بات مستعداً للبحث في ما إذا كان يقبل به رئيساً للحكومة!.
هل من هدف لإصرار تحالف قوى 8 آذار و”حزب الله” تحديداً على المشاركة في الحكومة، والتهديد بأنه لن تكون حكومة في لبنان إلا على أساسها، سوى هذا الهدف (الاستحصال على “براءة ذمة” عن الماضي، وشهادة “حسن سلوك” للمستقبل) بينما يمر لبنان في أصعب مراحله على الإطلاق ويعيش اللبنانيون أحلك أيامهم في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأمن؟.
لا دليل إلا ويصب في هذا المنحى، إلا إذا كانت حال لبنان وهموم اللبنانيين الحياتية آخر ما تفكر فيه قوى ما يسمى “جبهة المقاومة والممانعة” فيه.
وتجارب الأعوام الماضية مع هذه القوى تؤكد ذلك في كل حال.