“صحيح أننا أبناء “العطشانة”، إلّا أننا لم نعطش يوماً إلى الأمان». ردة فعل عفوية جماعية ردّدها أهالي قرية العطشانة مستنكرين محاولة الإعتداء التي تعرّضت لها كنيسة رعية مار يوسف، ورافضين في الوقت عينه تحوّل قريتهم إلى ساحة مستباحة لكل من ساورته نفسه التطاول عليها.
إستفاق أمس أهالي منطقة “العطشانة” ليفاجأوا بمشهد زجاج باب كنيسة مار يوسف مكسوراً، ومشحات من الدماء تملأ المكان، إضافة إلى زيح من الدماء أشبه بحزام يلف جدران مبنى الصالون المحازي للكنيسة.
بين “ضرب رذالة”، “هذه فعلة شهود يهوه”، “إنهم عبدة الشيطان”… إختلفت تفسيرات الأهالي الذين استفزّتهم الحادثة وأغضبهم مشهد الدماء. من جهتها، توضح عائلة كوركيس التي يبعد منزلها نحو 20 متراً عن الكنيسة أنّ الحادثة جرت ليل الأحد، فيخبر ربّ الأسرة لـ”الجمهورية”: “لم نلحظ أي مشهد غير إعتيادي قبل صباح اليوم (الأمس)، خصوصاً وانه لا يمكننا الوصول إلى منزلنا إلّا عبر المرور أمام باب الكنيسة”. ويضيف: “شخصياً أمرّ يومياً وأقبّل أحد جدران الكنيسة وأتكل على الله قبل ذهابي إلى عملي، إلّا أنّ الأحد يوم عطلة، أشارك مع المؤمنين في القداس قبل الظهر، وعندها انتبهنا إلى أنّ الزجاج مكسور والدماء منتشرة، ومجهولاً حاول خلع الكنيسة وسرقتها”.
في المقابل، يستغرب الابن جوليانو الحادثة، مستبعداً أن تعود الدماء لإنسان، فيخبر: “كيف يمكن لإنسان النزف إلى هذا الحد… ألا يفقد وعيه!، لذا أرجّح أنّ العمل تخريبي، ربما أحدهم ذبح هرة أو أي حيوان آخر فقط لتشويه الكنيسة وخلق ذعر في نفوس الأهالي”.
تفاصيل مغايرة…
أمّا بالنسبة إلى رئيس لجنة الوقف جان جبور، فيتحدث لـ”الجمهورية” عن تفاصيل مغايرة، قائلاً: “أعتقد أنّ المسألة تختلف عما يتداوله بعض أبناء القرية، وأستبعد أن تكون الحادثة قد وقعت الأحد إنما السبت، وفي وضح النهار، وذلك بناء على ما حدث مع شقيقتي ظهر السبت. فهي وبينما كانت تعبر الطريق امام المنزل الذي يبعد نحو 200 متر عن الكنيسة، مرّ رجل بالقرب منها ويده مجروحة تنزف دماً، يسألها عن أقرب صيدلية”. ويضيف: “للوهلة الأولى لم تبال شقيقتي أو تخبر أحداً، خصوصاً وأنّ وجه الرجل الخمسيني غريب عن البلدة، لا يعرف محلاتها. لذا يصعب عليّ عدم ربط ما حدث بالإعتداء على الكنيسة”.
كاهن الرعية
وفي اتصال مع خادم كنيسة مار يوسف في العطشانة، يقول الكاهن شربل الحاج لـ”الجمهورية”: “منذ نحو عامين أخدم في الرعية ولم يُسجّل أي حادثة إعتداء أو ما يثير الريبة، لا شك في أننا نستنكر وندين هذا النوع من الإعتداء على المقامات الدينية”. ويتابع: “جرت العادة ان نحتفل يوم الاحد عند الحادية عشرة والنصف بالذبيحة الإلهية، وقد وصلت اليوم (أمس) قبل القداس بعشر دقائق لأرى المؤمنين محتشدين على باب الكنيسة مستنفرين، وما أن اقتربت حتى رأيت الزجاج مكسوراً ونقاطاً من الدماء منتشرة على العتبة. وبعدما استفسرت عمّا جرى تبيّن لنا أنّ أحدهم حاول الإعتداء على الكنيسة، فاتصلنا على الفور بالجهات الأمنية المعنية وكذلك بالأدلة الجنائية”. وبجدّية لا متناهية يضيف: “أياً تكن الظروف، لا يمكن لأحد ثنينا عن دورنا، أو أن يكبح عزيمتنا، فما حدث يزيدنا إصراراً لنروي عطشنا بالمسيح”.
لا يخفي الكاهن إستغرابه من ظروف الحادثة، قائلاً: “صحيح أنها ليست أوّل كنيسة تتعرّض لإعتداء، ولكن ما تبعها يثير العجب، خصوصاً وأنّ المعتدي عمد إلى مسح دمه على طول جدران الكنيسة، وكذلك عَبَر الطريق حتى وصل بالقرب من شرفة أحد الجيران في الطابق الأرضي ومسح يده بالستار وفرَّ إلى جهة مجهولة”.
المطران مظلوم
بدوره، يستنكر النائب البطريركي المطران سمير مظلوم حادثة الإعتداء، قائلاً: “ندين ما تعرّضت له كنيسة مار يوسف في العطشانة، كما ندين أي عملية إعتداء على دور العبادة سواء أكان جامعاً أم كنيسة، كما نستنكر الاعتداء على أمن المواطنين”. وبنبرة حاسمة يوضح لـ”الجمهورية”: “هذا الإعتداء ليس إلّا جزءاً من الفلتان الأمني الذي يتخبّط فيه لبنان في ظلّ تنامي عمليات السرقة لمصالح خاصّة، بالتزامن مع تضاعف أعداد الغرباء على أرضه”. ويضيف: “صحيح أنّ الحادثة ليست في إطار حملة عامة لإضطهاد الكنيسة، لكن لا يمكن التراخي وعلى الأجهزة الأمنية التقصّي عن الموضوع ومعاقبة الجاني”.
في السياق عينه، يشدّد مظلوم على أنّ “دور العبادة، بصرف النظر عن هويتها، ليست مسرحاً للّعب أو التخريب، لذا نتمنّى على الدولة حزم أمرها والضرب بيد من حديد، وتوفير ما أمكنها من قنوات لضبط الفلتان، أقلّه على الصعيد الأمني”.
وفي وقت تُحسَد “العطشانة” على النعيم الذي تعيش فيه، وعدم السماع “بضربة كف”، لا يخفي الأهالي خشيتهم من تنامي الحوادث الأمنية في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع تضاعف أعداد العمال الأجانب، الذين تجاوز عددهم الـ 800 عامل في المشاريع المحيطة بهم. لذا يناشد الأهالي الجهات المعنية الإسراع في كشف ملابسات الحادثة، لكي لا تتحوّل دور العبادة “مكسر عصا”.
