#adsense

هل مسعى جنبلاط .. ضرب من الخيال؟

حجم الخط

 

مع انقضاء فترة عيد الفطر المبارك، يتوقع أن تعود الاتصالات السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة العتيدة إلى نشاطها، خصوصاً على ضوء الموقف المفاجأة الذي أطلقه رئيس جبهة “النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط والذي المح من خلاله إلى احتمال قبوله بفكرة تشكيل حكومة حيادية، تأخذ على عاتقها على المدى المنظور على الأقل، معالجة المشاكل الاقتصادية والحياتية التي بدأت ترخي بثقلها الكبير على كاهل المواطنين، إذ إن استمرار المراوحة على هذا الشكل قد يدخل البلاد في نفق “المجهول” الذي لا يمكن السيطرة عليه.

وإن كانت مواقف جنبلاط كالعادة تشكّل مادة دسمة للتحليلات، إلا أن الموقف الأخير للزعيم الاشتراكي الذي يجب أن “يفسّر كما هو” على ما قال بنفسه، جاء بعدما تلمّس من خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يوم عيد الجيش نيته كسر الجمود المتعلّق بمسألة التأليف، وبعدما كان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري قد دعا قبلا بعد أيام قليلة إلى تكثيف الجهود لتسهيل تشكيل الحكومة، فحاول جنبلاط صاحب دور “بيضة القبان” جس نبض الفرقاء كافة من خلال التلميح إلى ذهابه في الخيار الذي كان الرئيس سليمان والرئيس المكلّف تمام سلام يبحثان فيه علناً، وليس سراً، وهو تأليف حكومة حيادية ترضي الجميع، بعدما تبيّن أن تأليف حكومة “وحدة وطنية” مسألة دونها عوائق كثيرة لا يمكن بالسهولة تجاوزها.

غير أن جنبلاط الذي نجح لغاية اليوم في تجنيب البلاد من الوقوع في الفتنة المتربصّة على الأبواب، ليس في وارد “غسل يديه” فجأة من “دماء هذا الصدّيق”، واتخاذ خيار يدرك هو قبل غيره أنه سيعجّل في تفجير الأزمة التي عمل ويعمل جاهداً على تداركها، خاصة على ضوء التطورات الأخيرة التي وقعت بدءاً من خطف الطيارين التركيين وصولاً إلى الكمين الفتنوي الذي أصاب رئيس بلدية عرسال علي الحجيري أمس ونجاته بعناية إلهية، والتهديد العلني الذي أطلقه أهالي المخطوفين في أعزاز. فهل أن تشكيل حكومة حيادية ضرب من الخيال غير القابل للتحقق؟ على الأقل في ظل المعارضة الشرسة والعنيدة لـ “حزب الله” الذي يسعى بأي شكل من الأشكال لاستعادة الشرعية التي فقدها على جميع الصعد بعد تدخله في الأزمة السورية والمشاركة في حرب بشار الأسد ضد شعبه، وذلك لا يمكن أن يتحقق له إلا من خلال مشاركته في حكومة يكون له فيها الكلمة الطولى، اي امتلاك الثلث المعطل الذي يسمح له إدارة كفة عملها وتوجيهها كما يرغب ويشاء.

وما يزيد من “الطين بلة” هو أنه على الرغم من انشغال المعنيين بعطلة عيد الفطر، إلا أن أي رد إيجابي على مبادرة جنبلاط لم يصدر لغاية الساعة، لا بل على العكس، فإن موقف النائب ميشال عون كان صريحاً وسلبياً بما يكفي إذ اعتبر أنه لا يوجد حياديون في لبنان والحكومة الحيادية تدخل البلاد في أزمة، في حين أن احد مسؤولي “حزب الله” شدّد مجدّداً على أن “لا حكومة من دوننا”، فيما شدّد النائب طلال أرسلان من جهته على أن المطلوب هو “حكومة سياسية موسعة تتحمّل المسؤوليات”، بينما اعتبر نائب حركة “أمل” هاني قبيسي أن قوة الوطن تكمن في معادلة الجيش والشعب والمقاومة.

لكن بالمقابل، تشير مصادر مواكبة لاتصالات الرئيس سلام إلى ان ثمة خطوة متوقعة لكسر الجمود الحاصل في عملية التشكيل يتوقع ان تظهر اعتباراً من يوم الاثنين، مستندة في ذلك على موقف جنبلاط الذي أعلن أنه لا يمكن الاستمرار في هذه الدوامة. وتؤكد الأوساط نفسها أن سلام في طريقه إلى أن يطرح على الرئيس سليمان تشكيلة حكومية ليست بأي شكل من الأشكال حكومة “أمر واقع” بل حكومة “مصلحة وطنية” كما يحلو له تسميتها، ستضم أسماءً غير حزبية وغير استفزازية وقريبة من صيغة “التكنوقراط” التي يتولى فيها أصحاب الاختصاصات وزاراتهم ليديروا من خلالها شؤون البلاد والعباد بطريقة بعيدة عن الالتزام السياسي الحزبي أو الطائفي الضيّق.

وإذا كان موقف النائب جنبلاط يعني في طياته أنه لا يمانع بمثل هذه التشكيلة الضرورية والملحّة تحت ضغط الظروف الراهنة، فالسؤال الطبيعي والمنطقي هو ماذا سيكون رد “حزب الله” وربما قبل الحزب، كيف سيكون موقف الرئيس نبيه بري من هكذا حكومة؟ وهل سيكون في الوارد أن يقدم النائب جنبلاط على تخطّي الثنائي الشيعي وتأمين صدور التشكيلة الحكومية ومنحها الثقة في المجلس النيابي؟

لقد سبق للنائب عون أن هدّد مباشرة وبالواسطة عبر الوزير السابق وئام وهاب بعدم إجراء عمليات التسلّم والتسليم للوزارات التي يتولى حقائبها، وقد يكون هذا النوع من التمرّد “أهون الشرّين”، لكن لو أن رفض الحكومة جاء على طريقة “7 أيار” أو بالحد الأدنى، اعتصامات ودعوات للتظاهر في الشوارع، فهل سيكون بالإمكان تفادي وقوع المحظور، وانفلات الوضع الأمني وصولاً إلى ما قد لا تحمد عقباه؟

ثم يجب عدم إغفال مسألة التعطيل التي باتت تشكل إحدى سمات الحياة السياسية اللبنانية بكل أسف، فهل سيتم إغلاق المجلس النيابي كما حصل في السابق؟ وبالتالي عدم تأمين شرعية انعقاد الجلسة النيابية التي ستناقش البيان الوزاري للحكومة العتيدة وصولاً إلى منحها الثقة الواجبة قبل مباشرة أعمالها؟

أسئلة كثيرة هي لسان حال المتابعين والمراقبين والمحللين السياسيين، والإجابة عنها ليست رهناً للأيام المقبلة فحسب، بل تتوقف على حنكة جنبلاط وعلى قراءته للواقع السياسي وعلى قدرته على إقناع “حزب الله” بالدرجة الأولى بأهمية الانتقال من مرحلة “تصريف الأعمال” التي وإن كانت تؤاتي الحزب فعلياً، إلا أنها لا تستطيع أن تؤمن له الشرعية التي ينشدها، والتي يكون بابها القبول بالحكومة الحيادية والانتقال إلى طاولة الحوار الكفيلة بتأمين الحل الأنسب لمعضلته.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل