بالعودة إلى “المحافظة ضمن المحافظة”، هناك حلّ بديهي بسيط يُخرِج هذا اللبنان من أتون الفراغ الرئاسي العتيد، كون الرئيس ميشال سليمان يرفض مبدأ التمديد لنفسه أسوةً برفضه التمديد لمجلس النواب ويُشدد دائماً ومعه الرئيس المُكلّف تشكيل الحكومة على ضرورة تأليف حكومة تتحمل مسؤولياتها الوطنية، إضافةً إلى الموقِف المتقدم الذي أطلقه النائب وليد جنبلاط لناحية تسهيل التأليف وإمكانية منحه الغطاء البرلماني الكفيل بمنح الحكومة المُنتظرة، الشرعية المرجوّة. وبمعزِل عن بعض الهمس المنقول، والناتج عن تخوّف دبلوماسي مفاده أن ميشال سليمان سيكون آخر رؤساء الجمهورية ونجيب ميقاتي آخر رؤساء الحكومة وجان قهوجي آخر قادة الجيش، تبقى الآمال شاخصة إلى توليفة حكومية تُساهِم بدورها في إخراج لبنان من عنق الزجاجة، تتمثل بحكومة الضرورة الوطنية المتواضعة الأهداف ببيان وزاري غير فضفاض، تتعهد من خلاله تسيير الشؤون الحياتية المعيشية للبلاد بمعزل عن الانقسام السياسي وتضع نصب عينيها هدفاً مُلِحَّاً يتمثل بإقرار قانون انتخابي عصري ومنصِف، يليه عقد جلسة تقصير الولاية الممددة للمجلس النيابي وبالتالي تحديد موعِد للانتخابات النيابية قبل انتهاء ولاية الرئيس سليمان، لتنتخب بدورها الرئيس العتيد للجمهورية.
يعتقد البعض بأن هذه “الخارطة” صعبة المنال وبالتالي تمديد ولاية الرئيس سليمان لصون رمزية بعبدا، بات مطلباً حتمياً منعاً للوصول إلى الفراغ الكامِل في ظلّ حكومة اللون الواحِد المستقيلة والمجلس النيابي الذي مدد لنفسه من دون العودة إلى الوكيل، مروراً بالفراغ على كافة المستويات الإدارية، وصولاً إلى الشح المالي في مختلف الوزارات والإدارات والمؤسسات الرسمية الذي يُهدد بالويل والثبور. من هنا ينظر هذا البعض إلى حتمية التمديد الرئاسي وضرورته الاستثنائية من جهة، ورفض الرئيس ميشال سليمان القاطِع مبدأ التمديد من جهة أخرى.
يهدف الرئيس ميشال سليمان إلى إنهاء ولايته بإنجاز إنقاذي غير آبه بالبقاء لحظة في “سلم المجد” الذي بلغ أعلى درجاته، هذه الدرجات التي يشتهي بلوغها كلّ ماروني يعمل في الشأن العام، وما أكثرهم. وماذا لو لم تتشكلّ حكومة كما تشتهي سفن الرئيس وهل سيقبل بترك البلاد للفراغ؟ هنا السؤال الأصعب وقد يكون الأوحد الذي يشغل بال كلّ حريص على ديمومة لبنان الواقف على التقاطع ـ الأميركي ـ الروسي ـ السعودي ـ الإيراني، وبالتالي يرتبط مصيره حُكماً بما سيحدث من تطورات إقليمية قدّ تُساهِم في عدم إقحامه في أتون الانفجار لتضعه على شفير الانفراج العتيد.
من هنا، بات ضرورياً استحضار تجربة الرئيس البرتغالي أنطونيو سالازار كما سبق للقاضي سليم العازار أن فعل في إحدى كتاباته، وهو الرفيق الدائم في النضال. هذه التجربة التاريخية التي أنقذت البرتغال اقتصادياً من أتون الحرب العالمية الثانية يوم كان الاصطفاف السياسي حاداً لدرجة عدم قدرة أي فريق التغلب على الفريق الآخر، فكانت النتيجة الاتفاق على الإتيان بالأستاذ الجامعي أنطونيو سالازار ليستلم زمام الحكم، والذي ما لبس أن غادر لحظة اكتشافه عدم قدرته على الحسم في أي مسألة خلافية بنتيجة الانقسام الحاد. وبعد أن همّ بالمغادرة وبقي الفراغ فراغاً، (تماماً كما ينوي الرئيس سليمان أن يفعل لحظة انتهاء ولايته ليُغادر رافضاً مبدأ التمديد). ذهبت جميع القوى لتطلب من سالازار البقاء في منصبه. في ذلك الزمان قَبِل أنطونيو سالازار مبدأ “إعادة انتخابه” بشرط تحسين ظروف حكمه… فهل من يُحسِن الاستفادة من هذه الواقعة التاريخية ويتعلم من التجربة البرتغالية ويتعهد للرئيس سليمان عدم وضع العصي في دواليب حكمه، أكان في تسهيل تشكيل الحكومة لإنقاذ لبنان أم لناحية إقناعه عدم ترك البلاد للفراغ وفقاً لآلية دستورية “تُعيد انتخابه” شرط إطلاق يده ليُبادِر في إطلاق ورشة عمل سياسية ـ أمنية ـ اقتصادية تُبقي هذا اللبنان بعيداً من الأخطار التي تطرق بابه يومياً؟ قد تكون تجربة سالازار جديرة بالبحث لبنانياً وعربياً ودولياً، علّ إسقاطها على الواقع اللبناني يمنع عنه المزيد من الانزلاق. فهل يعي هؤلاء خطورة ترك البلاد لأخطر فراغ؟ وهل سيقبل الرئيس تحمّل المسؤولية من جديد، تماماً كما سبق لسلفِه البرتغالي أن فعل؟ هذا هو السؤال.