لم يعش غسان سعود طفولة هانئة كما كان يحب ويشتهي. كان طفلا معنّفاً. هو واخوه وجدي واختهما وامهم. عنف الوالد الذي انسحب على الوالدة والاطفال، حفر فيه عميقا وجعله انسانا مضطربا بطبيعة الحال. صار شابا. عاش صراعا عنيفا مع والد كان ينتمي الى حزب البعث ويعمل بتهريب المازوت بمساندة الاحتلال السوري. كبر الخلاف بين الاب والابن والجدّ الذي كان يرفض تصرفات والد سعود. مات الوالد، فرفض الابن أن يضع اسم جدّه على ورقة النعوة! كان الحقد أخذ كل مداه في أعماق الشاب الذي لم يتمكن من تخطي لحظة الموت لتخطي حقده المرضي، فاذا لم يتمكن من تجاوز هذا الحقد الشخصي في لحظة الحقيقة هل سيتمكن لاحقا من تجاوز حقده المرضي الاخر على القوات اللبنانية؟! والانكى انه ادعى لاحقا ان والده “استشهد” في 13 تشرين 1990 وهو أمرغير صحيح على الاطلاق.
نكاية بوالده الذي انضم الى البعث انضم سعود الى التيارالعوني. عمل في الصحافة. صار ينطق باسم ميشال عون فقط كرها بالقوات اللبنانية كما غالبيتهم. أصبح في مكانه الصحيح. صحافي عوني، تناسبه الصفة الرديفة للتلفيق، ثم تدرّج ليصبح حيث يليق به تماما الموقع. جريدة “الاخبار”. هنا في هذا المكان بالذات، حقق الطفل المعنّف طموح حقده الدفين المتراكم في أعماقه على المجتمع بأسره. وجد عرشه في تلك الجريدة التي تتقن الى حدّ الابداع، فنون اللااخلاقيات المهنية، لذلك هو “الافضل” عندها، في حين يوصف بالـ”مستكتب” في المجتمع الصحافي الحر، وأصحاب الاقلام المغمّسة بالكرامة. في ضيعته منيارة العكارية يطلقون عليه اسم “غسّونة” المفتن، بسبب الاكاذيب التي يبتدعها والخلافات الحادة التي حاول التسبب بها بين أهل الضيعة وخصوصا في مرحلة الانتخابات البلدية الاخيرة، ولم يتبق له اصدقاء هناك الا مسؤول الحزب القومي السوري هناك.
يحلم “غسّونة” ذاك في أن يكون صحافيا معتمدا في معراب!! تصوروا. يحلم بأن يتفرّد بأخبار طازجة من هناك، أن يرى سمير جعجع ويحظى بفرصة الدردشة معه، ويأخذ منه الاجواء السياسية غيرالمتوافرة في غير مكان، لكن معراب حتى الان ترفضه “بعد بكير عليك لتوصل لعنا ” يقولون له. يعرفونه ويعرفون الطاقم الذي يمثله. في المرّات القليلة النادرة التي وصل فيها الى”فوق”، هو الذي اعتاد الـ “تحت”، دهش باللياقة وحسن الضيافة وباحترام الصحافيين الى أي تلفزيون أو صحيفة انتموا. في سرّه أزعجه الامر. دخل في المقارنة بين الرابية ومعراب. يعرف كيف يتعاملون مع الصحافيين حيث “عرين” جنراله السابق، ينتظرونه كل ثلثاء في خيمة تحت الشتاء أو في الحر وبالكاد يوفّرون لهم شرب المياه، عدا عن اسلوب الجنرال “الراقي” في الصراخ وتوجيه الاهانات اليهم. في معراب يلقى ما لا يستطيع مواجهته، الاحترام. وهذا امر طبيعي على شخص ما اعتاد احترام الذات، بل اهانة الاخرين ليروي غليل الذات الناقصة من كل شيء. اختلف مع العونيين لكنه حمل روحهم معه. كَرههم لانه يشبههم. كرهوه لانه يتنافس معهم في اللاخلاقيات الاعلامية. هو صراع الحاقدين فوق مقبرة. صراع الاموات في انسانيتهم على هياكلهم العظمية الحيّة. ورغم محاولاته اللاحقة لتحسين صورته عند العونيين بعدما استفحلت الخلافات فيما بينهم، خصوصا بعدما تبيّن انه لا يؤتمن الجانب، وان الانتماء الحقيقي لديه هو بحجم الارقام التي تسقط في حسابه المصرفي، الا ان الوضع ساء اكثر معهم لدرجة ان أحد زملائه ورفاقه في الجامعة كتب عنه فيما كتب: “طردك من التيار لم يكن يوما بسبب طموحك الدائم للوصول الى لقب منسق هيئة بلدتك منيارة بل جاءت عملية الفصل طبيعية نتيجة تحذيرات متكررة من القيادة بعدم كتابة الامور الداخلية للحزب في الصحف….واقول لك ان رئيس التيار المعروف بجرأته في المواجهة لن يرهبه تحقيق صحفي لا تتعدى نسبة صحة المعلومات فيه الخمسة في المئة كحد اقصى”…
اذن، خسر “الصحافي” اياه كل شيء ولم يربح الا حسابات مالية بالية، يحصل عليها من زويعم من هنا وآخر من هناك، مقابل مقالات اما للمديح أو للشتيمة وذلك بحسب ما يتطلبه أولياء نعمته وبحسب الرقم الجائزة، وبالتالي ورغم ذلك، لم يتمكن من التعويض الشخصي بينه وبين حاله أولا، عن نفس مريضة تغلبها العقد النفسية وأهمها عقدة النقص والشعور بالدونية والاذلال تجاه الاخرين، الذي يترجمه من حين لاخر في مقالات لا تليق الا به وبجريدته “الغرّاء” طبعا، وآخرها ما لفّقه عن قصة طلاق مزعوم بين الدكتور سمير جعجع وزوجته ستريدا!! طبعا مقال مضحك ومسل من دون شك، وتصدّر الصفحة الاولى خصوصا ان لا مشاكل جوهرية في البلاد يُحكى عنها وكل شيء عال العال، وجاء ” طلاق” آل جعجع شحمة على فطيرة في هذا الفراغ السياسي القاتل!!
لن نعلّق على مضمون المقال، هذا أمر معيب على أقلام تحفر بالدم والكرامة اسم الحقيقة واسم المهنة، فلا يجوز أن يتلطّخ حبر الاحرار بحبر المرتزقة في المهنة، لكن ما كتبناه فوق ولمرة واحدة وأخيرة، كتب ليكون عبرة لمن يظن انه بالاعلام يستطيع أن يشوّه صورة ناصعة عن حزب مناضل، وعن شخص شاء أم ابى ذاك المدّعي صفة، هو من اكثر الشخصيات السياسية التي فرضت احترامها على الخصم قبل الحليف، ومن يريد التعرّض له ولكرامة الحزب، سيلقى بالقانون وبالقلم المرّ اللاذع الصعب المستحيل، ما لا يحمد عقباه وما لا يستطيع ان يتحمّله من حقائق دامغة، وهذه عادتنا، لا نواجه الا بالحقيقة، علما ان صاحب المقال اياه، يحتاج فعلا وسريعا الى علاج نفسي جدّي ومعمّق، لانه على طريق الهاوية، وبالنسبة الينا الهاوية هي موت الكرامة وموت الانسان مهما ادعى انه على قيد الانفاس. طبعا لن يفهم غسان سعود هذه التعابير الهجينة على مبادئه واخلاقياته، لكن وفي النهاية الاكيد اننا لا نكرهه، لا نحقد عليه، انما نشفق عليه كثيرا كثيرا كثيرا….
