وسط الأجواء المتشنجة والمشحونة على مختلف الصعد السياسية والأمنية معطوفة على التراجع الاقتصادي والتدهور المعيشي، ازداد الكلام في اليومين الماضيين على ضرورة تأليف حكومة حيادية تهتم بشؤون الناس وتساعد قدر الإمكان في معالجة همومهم ومشكلاتهم بعيداً من التعقيدات السياسية التي لا يبدو أنّ حلّها قريب.
لعلّ الكلام الذي نقل عن الرئيس المكلف تمام سلام أخيراً اثناء عطلة عيد الفطر حول اعتزامه النهائي تقديم التشكيلة الوزارية المنتظرة في غضون ايام، دفعت بكثيرين الى تقصي حقيقة هذا الأمر، خصوصاً أنّ الحلحلة الموعودة في شأن الشروط التي كان يضعها حزب الله وفريق 8 آذار ولا يزالان لتسهيل انطلاقة الحكومة تبقى على ما هي حتى الساعة رغم الاندفاعة السياسية التي عبّر عنها رئيس “جبهة الانضال الوطني” النائب وليد جنبلاط في موقفه الأخير والذي أبدى فيه موافقته الكلامية على الحكومة الحيادية.
والسؤال المركزي في هذا الاطار هو: هل الحكومة الحيادية باتت حتمية رغم الصعوبات؟ أم ستبقى مجرد كلام ومواقف ولن ترى النور في وقت قريب!!؟
المعلومات والأجواء المواكبة لحركة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وسلام تؤكد أن لا مناص امامهما من تأليف الحكومة الحيادية المُتَحَدّث عنها وان المسألة باتت قريبة، وان اشارة الانطلاق جاءت من جنبلاط الذي كان يبدي بعض التريث منذ فترة افساحاً في المجال لاجراء مزيد من الاتصالات، ولكنه، على ما يبدو، بات على اقتناع تام بضرورة وجود حكومة جديدة وحيادية بعيداً من التجاذبات السياسية من هنا وهناك تكون مهمتها انقاذية والمحافظة على ما تبقى من هيبة الدولة إذا ما قُدِّر لها ذلك.
وفي ما يأتي أبرز الأسباب التي تستدعي تأليف الحكومة الحيادية على عجل، بغض النظر عن تداعيات اصدار مراسيمها على أرض الواقع:
1 – وصول سليمان وسلام الى إقتناع تام باستحالة تأليف حكومة وفاق جامعة في ظل التجاذبات الاقليمية وانعكاساتها المحلية، خصوصاً ان هذه التجاذبات مقدّر لها ان تتصاعد وتيرتها وتقوى في المرحلة المقبلة بدلاً من ان تخف، وعليه لا يمكن ترك البلاد بإقتناع سليمان وسلام وجميع العقلاء الى حكومة تصريف أعمال عاجزة وغير قادرة على فعل شيء لا تنفع الناس، ولو بالحد الأدنى.
2 – تصميم سليمان وسلام على عدم ترك البلاد للفراغ الحكومي الحالي وللفراغ الرئاسي اللاحق وسط المواقف التي يطلقها بعض القريبين من فريق 8 آذار والذين يؤكدون فيها ان البلاد ذاهبة الى الفراغ في رئاسة الجمهورية، وانه لن يكون هناك رئيس جديد للبنان في أيار 2014، وعليه فإن المسؤولية الدستورية أولاً، والوطنية ثانية، تحتّمان على رئيسي الجمهورية والحكومة استباق الفراغ الآتي والذي يتم الترويج له بحكومة دستورية انقاذية وحيادية في آن معاً تحل محل الرئيس عند الوصول الى الفراغ الرئاسي المتحدث عنه.
3 – توصل سليمان وسلام الى تصوّر نهائي حول الحكومة الحيادية المزمع تأليفها في اعتبارها ستكون خط الدفاع الأخير عمّا تبقى من مؤسسات الدولة.
ما مدى صحّة ذلك؟
المعلومات المتوافرة تجزم بصحّة هذا الأمر وتؤكد انّ الحكومة الحيادية ستؤلّف وهي باتت حتمية في وجه الفراغ الآتي الذي يخطط له البعض ويعمل لتكريسه في إدارات الدولة، على رغم ممّا سيلحق بذلك من تداعيات انطلاقاً من اعتبار اساسي هو انه مهما كانت التداعيات المنتظرة لإعلان هذه الحكومة لن تكون في حجم المتوقع منها في حال الاستسلام وتسليم البلاد للفراغ والفوضى، وانّ جنبلاط استشعر هذا التصميم لدى سليمان وسلام فسارع الى مواكبته في موقفه الأخير.