فور إعلان التمديد للمجلس النيابي انتهت فجأة الاشتباكات المتقطعة التي دارت على مدى أسابيع بين جبل محسن وباب التبانة بعد أن أوصلت إلى الهدف المطلوب وبيّنت بـ”الملموس المحسوس” “صحّة” موقف “حزب الله” أولاً وأخيراً، باستحالة إجراء الانتخابات في ظل “فلتان أمني خطير”!.. والذي هو في حقيقته لم يكن إلاّ العنوان التمويهي لانشغال الحزب فعلياً آنذاك بالجبهة السورية عموماً ومعارك القصير خصوصاً!
اليوم يتكرّر سيناريو ابتزاز اللبنانيين بأمنهم وعيشهم واستقرارهم واقتصادهم لكن على نطاق جغرافي أوسع مدى، وبأساليب أخطر من المُعطى الطرابلسي، وبتفصيل أكثر تعقيداً من الشأن الانتخابي. وذلك في مجمله يدلّ على المبدأ الحزبي الممانع الأوّل القاضي والقائل باعتماد العنف في موضع السياسة والقوة في موضع الجدال والأخذ والرد.. و”القرار” الراهن هو أن لا حكومة جديدة. ونقطة انتهى النقاش وبدأت لعلعة التصاريح والرصاص والتهديدات وعمليات الخطف ومشتقاتها الميدانية!
غير أنّ الأمر هذه المرّة لا يبدو بسلاسة المرّات السابقة.. هناك “شعور” يكاد أن يكون عاماً، خارج نطاق الجغرافية الفكرية للممانعين، يفيد بأنّه لا يمكن القبول باستمرار الخضوع لمنطق الابتزاز المسلح أكثر فأكثر وليحصل ما يحصل! وتسند هذا “الشعور” وتغذّيه وقائع صخرية عصيّة على النقر بالازميل التزويري تفيد بدورها أنّ “الحقائق اللبنانية” السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية وصلت إلى مستوى الكارثة. وأنّ الخسائر المتراكمة جرّاء الارتباطات الأسدية والإيرانية لـ”حزب الله” وصلت إلى حد الامتلاء ولم يعد من مزيد!
.. عندما قدّم الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني بالأمس حكومته إلى مجلس الشورى أعلن أنّه اختار الوزراء على أساس خبرتهم وليس على أساس انتمائهم السياسي. وعندما سأله أحد النواب المحافظين لماذا يُعيد “الفتنة” التي هي في رأيه اختيار وزراء كانوا ولا يزالون مقرّبين من الإصلاحيين، ردّ بالحرف “إنّ الإيرانيين تعبوا من التشدّد. الوسطية هي السبيل الذي اختارته الأمّة”.
من هذه النقطة تحديداً يصحّ السؤال: لماذا لا يقبل “حزب الله” للبنانيين ما قدّمه الشيخ روحاني للإيرانيين؟! ولماذا يرفض العرض الذي قدّمه الرئيس سعد الحريري الموصل في نتيجته إلى حكومة شبيهة بحكومة الرئيس الإيراني، أعضاؤها يُختارون تبعاً لكفاءتهم وليس لسياستهم وحزبيتهم؟! ألا يستحق لبنان وأهله بعد كل هذا العمر والضنى والتضحيات والكوارث، وسطية منتجة تغنيه عن شرور التطرّف وبلاويه؟!